القيسي يكتب: من العسل إلى الرماد

جمال القيسي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/27 الساعة 08:27
ترك كلود ليفي-شتراوس ( 1908 - 2009) عبر مشروعه البنيوي، أدوات تحليل تتجاوز زمانه ومكانه، وتتيح قراءة الأزمات السياسية بوصفها أنماطا ذهنية وسلوكية متكرّرة، لا مجرد اختلالات إجرائية. في كتابه "من العسل إلى الرماد" الصادر في العام 1967 لم يكن شتراوس معنياً بالأسطورة كحكاية، بل باعتبارها تعبيرا عن عقل جمعي يفضّل أحيانًا اللذة السهلة على التحوّل الصعب، ويهرب من كلفة النار إلى راحة العسل، وهو ما يجعل هذا الإطار صالحا لقراءة واقع الأحزاب الأردنية اليوم.

في التجربة الحزبية الأردنية، يهيمن منطق العسل بوصفه خطابا سياسيا مريحا، قائما على شعارات واسعة وبرامج إنشائية لا تُختبر في الممارسة. خطاب يَعِد كثيرا ولا يلتزم بكلفة التنفيذ. هذا العسل لا يُنتج وعيًا سياسيا، بل يراكم حضورا وهميا، ويُبقي القواعد الحزبية في موقع المتلقّي لا الشريك، فتتحوّل الأحزاب تدريجيا من أدوات تغيير إلى مساحات خطابية تُعيد إنتاج اللغة السياسية ذاتها في كل استحقاق. انتخابي.

ومع هذا العسل، تنشأ ظاهرة يمكن توصيفها بمفهوم Leadership Sanctification، أي «تقديس القيادة»، حيث يُرفع القائد أو الحلقة القيادية إلى مرتبة فوق النقد والمساءلة، ويُنظر إلى قراراتها بوصفها صوابا سياسيا وأخلاقيا مسبقا، لا يحتمل الخطأ. في ظل هذا التقديس، لا يعود الاختلاف ظاهرة صحية، بل يُصنَّف كتهديد، ولا يُنظر إلى النقد بوصفه حقا تنظيميا، بل كفعل عدائي. وهنا تتشكّل طبقة حزبية وظيفتها الدفاع والتبرير، لا التفكير والتطوير، فتُغلق المسارات أمام التيارات الثقافية والتنويرية، ويُختزل الحزب في إرادة عليا متقردة وفردانية ضيقة تتحدث باسمه.

المشكلة، هنا، لا تكمن في وجود القيادة، بل في تحويلها إلى رمز غير قابل للمراجعة؛ فحين يُستبدل منطق المؤسسة بمنطق الشخص، ويُختزل الحزب في أسماء لا في قواعد، تُعطَّل آليات المساءلة، ويغيب التداول الحقيقي للقيادة داخل التنظيم. عندها تغدو الأنظمة الداخلية نصوصا انتقائية، تُستخدم لضبط المختلف لا لتنظيم الجميع، وتتحوّل المؤتمرات إلى طقوس شكلية تُكرر أخطاء الماضي بدل تجاوزها.

وفي غياب النار، أي نار النقد والمساءلة والاعتراف بالخطأ، لا يحدث التحوّل الذي تحدّث عنه شتراوس، بل يحدث تآكل بطيء؛ حيث يتراكم الفشل دون تسميته، وتتكرر الأخطاء دون تصحيح، وتنسحب الكفاءات بصمت، فيما تتساءل القيادات عن أسباب عزوف القواعد والمجتمع. هنا يظهر الرماد لا بوصفه أثر احتراق شجاع، بل بوصفه بقايا تجربة استُهلكت دون استيعابها.

تبدو هذه الحالة أكثر وضوحًا لدينا في تجربة وسط اليسار، حيث تم انتهاج سبيل المواربة الفكرية على الوضوح، وتأجّل الحسم الأيديولوجي بذريعة المرحلة السياسية، بينما الممارسة اليومية تنقض هذا الشعار. فلا اللون السياسي حاضر في الفضاء العام، ولا الديمقراطية الداخلية تحققت كي نبشر بدمقرطة الأسرة والمجتمع ومؤسسات الدولة؛ بل جرى تدوير الأزمة برمتها داخل دائرة مغلقة، تُدار فيها الاختلافات بمنطق الاحتواء لا الحل، وبمنطق التوازنات لا المبادئ.

ما يقدّمه شتراوس هنا ليس وصفة جاهزة، بل تحذيرا معرفيا؛ لعله أراد القول إن المجتمعات والتنظيمات التي تخشى النار، وتكتفي بالعسل، محكوم عليها بأن تنتهي إلى الرماد. والأحزاب الأردنية، وفي مقدمتها أحزاب وسط اليسار الديمقراطي الاجتماعي، ليست بحاجة إلى مزيد من الخطابة والنوم في عسل الوهم بحضورها في الشارع ، بل هي أحوج ما تكون إلى شجاعة كسر منطق تقديس القيادة وكسر نموذج القائد الملهم، وإعادة الاعتبار للمساءلة، بوصفها شرطا للثقة لا تهديدا لها؛ فالحزب الذي لا يحرق أخطاءه بوعي، سيحترق بأخطائه لاحقا دون معنى، والسؤال الذي يبقى معلّقًا هو: هل يحتاج المواطن لأحزاب متهالكة تدفعه إلى الإحساس بالإحباط من جدوى التحديث السياسي، أم تراه يحلم بأحزاب تملك البرامج السياسية والاقتصاديّة والثقافية القابلة للتطبيق، وتكون قادرة على إقناعه أن السعي نحو حل مشكلات الفقر والبطالة والصحة والتعليم والنقل وغيرها هي أولويات وطنية ومسؤوليات أولى بالاهتمام الحزبي من المعارك الداخلية الصغيرة وهدر الوقت في محاربة طواحين الهواء!
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/27 الساعة 08:27