العتوم يكتب: بوتين محارب من أجل فلسطين

د. حسام العتوم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/26 الساعة 18:11
أسمع في منطقتنا العربية من يتساءل بصوت عال عن موقف روسيا من القضية الفلسطينية العادلة ، ومن ضرورة قيام دولة فلسطين و عاصمتها القدس ، ومن حل الدولتين ، الفلسطينية إلى جانب إسرائيل ،و كأنهم لا يعرفون بأن روسيا العظمى ليست الولايات المتحدة العظمى ، و بأن في العالم أكثر من دولة عظمى مثل الصين و الهند ، و بأن موقف روسيا من قضية فلسطين عادل و ثابت وتاريخي ، ومن وسط تمسكها بالقانون الدولي تساند قضايا الشعوب المظلومة و المضطهدة و في مقدمتها الفلسطيني الجبار ، القابض على الجمر ، شعب الجبارين ، المغمسة مسيرته النضالية بدم الشهداء الأبرار .

ومنذ قيام إسرائيل عام 1948 ، و موقف روسيا من القضية الفلسطينية و اضح ، و ليس صحيحا أن روسيا هي أول من اعترف بإسرائيل ، بينما اعترفت الولايات المحدة بالحكومة الإسرائيلية المؤقتة أولا . و بلغ مجموع الدول التي اعترفت بعضوية إسرائيل في الأمم المتحدة 165 دولة من أصل 193 دولة ، بينما عارضت جامعة الدول العربية قرار تقسيم فلسطين عام 1947 ، و قيام دولة إسرائيل عام 1948 حينها . وكلنا نعرف بأن الصهيونية العالمية التي أسسها ثيودور هرتزل هي من التفت على الأمم المتحدة وصنعت إسرائيل لتصبح دولة بلا سياج ، تمارس الاحتلالات ، و العدوانية ، و الاستيطان ، و حتى النازية بلا رادع وعلى شكل عصابة ، و هو ما يشاهده العالم الان . و لم يعد الفرق كبيرا من الاعتراف بإسرائيل أولا أو ثانيا .

و روسيا الاتحادية لمن لا يعرف لها حضور ديمغرافي يفوق المليون نسمة داخل إسرائيل ، ومن بينهم من يخدم في الجيش الإسرائيلي ، و شهدت العلاقات الروسية – الإسرائيلية توترا لدرجة قطع العلاقات في الأعوام 1953/ 1956 / 1967 ، بسبب العدوان الثلاثي على مصر، وبسبب رفض إسرائيل وقف اطلاق النار في حرب حزيران . ثم عادت العلاقات بينهما عام 1987 في زمن الاتحاد السوفيتي ، و زار الرئيس بوتين يرافقه وزير خارجيته سيرجي لافروف إسرائيل عام 2005، و زيارات دائمة لقادة إسرائيليين لموسكو . وفي المقابل لايتساءل ناسنا عن الموقف العربي الموحد بوجود الجامعة العربية وخارج اطارها من حراك إسرائيل العدواني غير المشروع ، و لا يبحثون في ضرورة الدفاع المشترك مع الدول العظمى نووية السلاح الصديقة للعرب و المنصفة لهم .

وقرر رئيس روسيا الاتحادية فلاديمير بوتين الانتصار للخطة الأمريكية – خطة ترامب ، الخاصة بحرب غزة ، شريطة أن توصل لضوء نهاية نفق الصراع الفلسطيني و العربي مع إسرائيل ، و صولا لبناء دولة فلسطين و عاصمتها القدس ، و الرئيس بوتين يؤمن بحل الدولتين الفلسطينية إلى جانب إسرائيل ،و بضرورة التزامها بحدود الرابع من حزيران لعام 1967 ، و هو مطلب مشروع و شرعي أقره القانون الدولي عبر مادته 242 التي انتجت هنا في الأردن بالمناسبة وسط العرب ، و كثيرون ربما لا يعرفون بذلك . وجاء توجه الرئيس بوتين هذا وسط حديثه على هامش حوار " فالداي " في مدينة سوتشي على ضفاف البحر الأسود الخميس الفائت 2/10 / 2025 تحت عنوان " عالم متعدد الأقطاب " وسط محاور شملت ( العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية ، و الملف الأوكراني ، و الصراع الفلسطيني ، و الأمم المتحدة ) .

وفي المقابل ، يأتي حديث الرئيس بوتين هذا في الشأن الفلسطيني وسط سعير هجمة سياسية و إعلامية شنها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب على روسيا عبر تحريضه من جديد لنظام أوكرانيا بقيادة الرئيس المنتهية و لايته فلاديمير زيلينسكي للمطالبة بحدود عام 1991 حيث الاستقلال ،و حتى بإجتياح روسيا ، والوعد بتزويد " كييف " بمعلومات لوجستيه تفيده في حربه السرابية ضد روسيا ، و هي الحرب التي تشنها دول حلف " الناتو " الخمسون ، و ليست حربا بين الجيشين الروسي و الأوكراني فقط كما يشاع . و الرئيس ترامب الذي استقبل الرئيس بوتين بحفاوة و ترحيب ملاحظ في إقليم " ألاسكا " الأمريكي – الروسي الأصل إنقلب عليه ثانية ، و هو جاهز للإنقلاب عليه ثالثة و رابعة ، و روسيا بوتين اعتادت على هكذا توجه سلبي غير مسبوق ، ومعتبرة إياه طرفة . و المعروف ، هو بأن روسيا دولة عظمى متفوقة على العالم ، و على حلف " الناتو " في السلاح النووي ، و هذه المعلومة حقيقة و ليست دعاية ، و في شرق العالم أكثر من دولة عظمى مثل الصين الشعبية و الهند . و لم يعد العالم قطبا واحد برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية ، و إنما متعدد الأقطاب . و مطالبة روسية قادها وزير خارجيتها سيرجي لافروف لنقل الأمم المتحدة من النييورك إلى سوتشي تماما كما طالب سابقا الزعيم السوفيتي المنتصر في الحرب العالمية الثانية جوزيف ستالين .

و السؤال العريض الذي يطرح نفسه فوق طاولة الشرق الأوسط و العالم الان ، هو هل إسرائيل الشريك في خطة ترامب – الخطة الأمريكية جادة بالذهاب إلى سلام حقيقي مع الفلسطينيين ،و مع حماس حركة المقاومة العربية الإسلامية المعروفة لموسكو هكذا ، و التي سبق استضافتها هناك ، هل ستعترف حقا بالدولة الفلسطينية كاملة السيادة و عاصمتها القدس ؟ وهل ستتخلى إسرائيل عن طموحاتها السرابية الهوجاء بكل ما يتعلق بإسرائيل الكبرى ؟ لقد أبدت حماس جاهزيتها تسليم كامل أسرى إسرائيل بما في ذلك جثث القتلى منهم ، و هو مطلب كان من الممكن تنفيذه في وقت سابق أيضا ،وهو الذي شجع إسرائيل على قتل نحو مائة ألف فلسطيني معظمهم من المدنيين و الأطفال و عن سبق اصرار و ترصد ، و لازالت تمارس القتل في وضح النهار و أمام أعين المجتمع الدولي ، و لا تبالي أمام سفن السلام التي اعترضتها مؤخرا بالقرب من شواطيء غزة . ومن يضمن سلوك إسرائيل فيما بعد !

و بطبيعة الحال ، الغرب ، لايريد لروسيا – بوتين دورا متقدما في شأن فلسطين ، التي تصر على أن القضية الفلسطينية عادلة و يجب أن تصل ليوم قيام دولة فلسطين ، رغم أن الحق الفلسطيني يشمل كل فلسطين بما في ذلك فلسطين التاريخية وكامل القدس . فنشاهد حملة غربية مسعورة على روسيا بحجة هجمات كاذبة يعتقد أن روسيا تشنها عبر مسيراتها على أوروبا ، وهو الذي نفته روسيا – بوتين و لافروف . وأثبتت روسيا بأنها ليست بحاجة لمثل هكذا تطاول على أوروبا و حلف ( الناتو ) ، و أنها باحثة عن السلم و السلام العالمي ، و الحقيقة لا تغطى بغربال .ولقد تحولت أمريكا و معها أوروبا في كل ما يتعلق بالدولة الروسية لمدرسة مشاغبين ، و لا يردون معا لها بأن تستمر ناهضة قوية عسكريا و اقتصاديا ، وهم من قرروا النخر في جسمها عبر تمسكهم غير الحميد بشخص فلاديمير زيلينسكي الفنان البهلواني و السياسي المراهق ، و ينضم لجوقة الغرب رئيس جمهورية أذر بيجان إلهام ألييف لأسباب غير واضحة ومن الممكن تجازوها خدمة للعلاقات الأذرية – الروسية الواجب أن تبقى صلبة متينة .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/26 الساعة 18:11