منصور يكتب: المخدرات… حين يتحوّل الإدمان إلى جريمة اجتماعية

أ.د. تحسين منصور
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/26 الساعة 14:56
لم تعد المخدرات مجرد آفة صحية تهدد متعاطيها وحده، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى خطر داهم يهدد الأسر والمجتمعات بأكملها. فخلف كل جريمة عنف مرتبطة بالمخدرات، حكاية انهيار إنساني يبدأ بالإهمال وينتهي بالفقد.

تعاطي المخدرات لا يسلب الإنسان وعيه فقط، بل يسرق منه إنسانيته وقدرته على ضبط السلوك واتخاذ القرار. فالمتعاطي قد يصل إلى مرحلة يفقد فيها السيطرة على أفعاله، ويصبح أقرب إلى مصدر خطر على من حوله، خصوصًا داخل محيط الأسرة حيث تتداخل المشاعر والضغوط والصراعات.

الأخطر في الإدمان أنه لا يظهر فجأة، بل يتسلل ببطء. يبدأ بتجربة عابرة، أو هروب من ضغط نفسي، أو رفقة سيئة، ثم يتحول إلى اعتماد، فإدمان، ثم انفجار سلوكي قد يأخذ شكل عنف أو جريمة. وفي هذه المرحلة، لا يكون الضحية المتعاطي وحده، بل كل من يشاركه الحياة.

المجتمعات العربية، رغم تماسكها الأسري، ليست بمنأى عن هذه الظاهرة. بل إن الصمت أحيانًا، والخوف من “الفضيحة”، وغياب العلاج المبكر، كلها عوامل تساهم في تفاقم المشكلة. كثير من الأسر تعلم بوجود التعاطي، لكنها تؤجل المواجهة، حتى تقع الكارثة.

مكافحة المخدرات لا تقتصر على الجهود الأمنية وحدها، رغم أهميتها، بل تبدأ من التوعية، ومن الاعتراف بأن الإدمان مرض يحتاج إلى علاج، لكنه أيضًا خطر يحتاج إلى حزم. لا بد من تمكين الأسر من طلب المساعدة دون خوف، وتوسيع برامج العلاج النفسي وإعادة التأهيل، وتشديد الرقابة على مروجي السموم الذين يدمّرون الشباب بلا رحمة.

كما أن على المجتمع والإعلام دورًا أخلاقيًا في تسليط الضوء على آثار المخدرات الحقيقية، لا من باب الإثارة، بل من باب التحذير والوقاية. فكل قصة مأساوية يجب أن تكون جرس إنذار، لا خبرًا عابرًا.

في النهاية، المخدرات لا تقتل متعاطيها فقط، بل قد تقتل الأب، والأم، والأخت، والابن، وتترك وراءها عائلات مفجوعة وندمًا لا ينفع. والوقاية منها مسؤولية جماعية، تبدأ من الوعي، ولا تنتهي إلا بحماية الإنسان وحقه في حياة آمنة وكريمة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/26 الساعة 14:56