الباشا المجالي يكتب: من بيتٍ أردني موجوع إلى وطن مهدد… فاجعة واحدة تكفي، فهل ننتظر التالية؟

العين حسين هزاع المجالي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/26 الساعة 12:43
لم تعد المخدرات خطرًا عابرًا أو ظاهرة هامشية يمكن التعامل معها بمنطق المعالجة الجزئية أو الموسمية، بل أصبحت واحدة من أخطر التحديات التي تواجه أمن مجتمعاتنا واستقرار أسرنا وتماسك نسيجنا الوطني.

لقد خدمتُ هذا الوطن في مواقع أمنية وتنفيذية مختلفة، وشهدتُ عن قرب كيف تتحول المخدرات من مادة محرّمة إلى سلاح صامت يدمّر الإنسان من الداخل، ثم يمتد أثره ليصيب الأسرة، فالحي، فالمجتمع بأسره.

القضية لم تعد قضية متعاطٍ فقط، بل قضية وطن.

وما حدث مؤخرًا من فاجعة مؤلمة تمثّلت في وفاة إحدى الفتيات من عشيرتنا – رحمها الله – على يد شقيقها المدمن، ليس حادثة فردية يمكن طيّها بالصمت أو العزاء وحده، بل جرس إنذار قاسٍ يؤكد أن الإدمان عندما يُترك بلا ردع حازم ولا تدخل مبكر، قد يتحول إلى مأساة تتكرر في بيوت أخرى، وعائلات أخرى، ومناطق أخرى.

ما جرى ليس حادثة عائلية عابرة تُطوى ببيان أو عزاء، بل رسالة موجعة تقول إن الخطر حين يدخل بيتًا واحدًا يمكن أن يطرق أبواب بيوت كثيرة. اليوم نبكي فتاة بريئة، وغدًا – لا قدّر الله – قد نبكي أخرى إن بقينا نُجامل الحقيقة أو نؤجل المواجهة. فالإدمان حين يُترك بلا ردع حازم ولا علاج مُلزم، يتحول من مأساة فردية إلى تهديد مجتمعي، ومن مشكلة صحية إلى قضية أمن أسري ووطني. والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بصدق: هل نكتفي بالحزن كل مرة، أم نملك الشجاعة لنمنع تكرار المأساة؟

هذه الحادثة، بكل ما تحمله من ألم، تقول لنا بوضوح: إن المدمن ليس خطرًا على نفسه فقط… بل قد يصبح خطرًا على من يحبهم أكثر الناس إليه.

ومن هنا، فإن التعامل مع الإدمان لا يجوز أن يبقى محصورًا في إطار الشفقة وحدها، ولا في منطق “الضحية فقط”، بل يجب أن يكون ضمن معادلة متوازنة: علاج صارم، ومسؤولية قانونية واضحة، وردع حقيقي.

لقد بذلت الدولة الأردنية، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، جهودًا كبيرة ومقدّرة في مكافحة المخدرات، من خلال مديرية الأمن العام، وإدارة مكافحة المخدرات، والقوات المسلحة الأردنية، والأجهزة الأمنية كافة، إضافة إلى القضاء، ووزارة الصحة، ووزارة التربية، ووزارة الأوقاف، ومؤسسات المجتمع المدني.

هذه منظومة وطنية متكاملة تعمل ليلًا ونهارًا لحماية شبابنا وحدودنا ومستقبلنا.

لكن حجم الخطر، واتساع رقعة الاستهداف، وتحوّل الأردن إلى دولة مواجهة في إقليم مضطرب، يفرض علينا اليوم أن نراجع أدواتنا القانونية والتشريعية بجرأة ومسؤولية.

ومن موقع الحرص الوطني، أرى أن الوقت قد حان لإعادة النظر في فلسفة العقوبة المتعلقة بالمتعاطي والمدمن، لا من باب القسوة المجردة، بل من باب حماية المجتمع.

فكما نغلّظ العقوبة على التاجر والمروّج، يجب أن نغلّظها – ضمن ضوابط واضحة – على المدمن المتكرر الذي يرفض العلاج، ويشكل خطرًا على أسرته ومحيطه، ويتحول إلى أداة غير واعية بيد شبكات الإجرام.

التساهل المطلق مع الإدمان لم يعد رحمة، بل قد يكون قسوة غير مباشرة على الضحايا الأبرياء.

نعم، نحن مع العلاج، ومع مراكز التأهيل، ومع الفرصة الثانية، ومع الاحتواء. لكننا أيضًا مع حماية الأطفال، والنساء، وكبار السن، ومع حق المجتمع في الأمن.

إن التوازن المطلوب اليوم هو: علاج إلزامي فعّال، متابعة حقيقية بعد العلاج، وتشريع واضح يحمّل المدمن المسؤولية القانونية عندما يتحول خطره إلى واقع.

المخدرات ليست حرية شخصية. وليست خيارًا فرديًا معزولًا. إنها اعتداء مباشر على أمن المجتمع.

وإذا لم نواجه هذه الآفة بعقل الدولة وقوة القانون ووعي المجتمع، فإننا نخاطر بأن تتحول قصص الألم الفردية إلى ظاهرة عامة، وحينها لن ينفع الندم.

حفظ الله الأردن من كل شر، وحفظ أبناءه وبناته من هذا الطريق المظلم، ورحم الله كل ضحية سقطت بسبب هذه الآفة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/26 الساعة 12:43