شطناوي يكتب: قانون المواءمة في التشريع الأردني

المحامي انس عبدالكريم شطناوي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/26 الساعة 11:24
لم تعد المواءمة التشريعية خيارًا تنظيميًا يمكن الأخذ به أو العدول عنه، بل غدت ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، وما يرافقها من تشابك في العلاقات القانونية والاقتصادية بين الدول. وفي السياق الأردني، يكتسب قانون المواءمة أهمية خاصة، كونه يمثل أداة لتحديث التشريعات الوطنية ومواجهة التحديات الناجمة عن الانفتاح الاقتصادي والالتزامات الدولية، إلا أن هذا الدور لا يخلو من إشكاليات قانونية تستوجب التوقف عندها ونقدها.

وفي الأردن يقوم مفهوم المواءمة التشريعية على تكييف القوانين السارية مع المتغيرات الداخلية ومع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها، غير أن التطبيق العملي لهذا المفهوم يكشف في بعض الأحيان عن نزعة شكلية تركز على تعديل النصوص دون إيلاء العناية الكافية لمدى انسجامها مع البنية القانونية الوطنية أو قابليتها للتطبيق الواقعي. ويؤدي هذا النهج، في بعض الحالات، إلى إنتاج نصوص قانونية مستوردة في مضمونها، ضعيفة الارتباط بالواقع الاجتماعي والاقتصادي الأردني.

ولغايات الحلول العميقة في مثل هذا الامر لابد من ابراز الإشكالية الأهم التي تتمثل في العلاقة بين المواءمة التشريعية ومبدأ السيادة التشريعية، إذ يُلاحظ أن بعض التعديلات القانونية تأتي استجابة لضغوط أو متطلبات دولية دون نقاش وطني معمّق حول آثارها القانونية والاجتماعية. ورغم أن الدستور الأردني أقر مبدأ احترام المعاهدات الدولية، إلا أن ذلك لا يعني تغليب الالتزامات الدولية على حساب الأحكام الدستورية أو المبادئ القانونية المستقرة، وهو ما يفرض على المشرّع الأردني تبني مقاربة أكثر توازنًا وحذرًا في عملية المواءمة.

كما أن المواءمة التشريعية، تثير تساؤلات جدية حول مدى تحقيقها للمصلحة الوطنية، إذ غالبًا ما تُبرَّر التعديلات القانونية بدوافع متعددة منها تحقيق الامن والسلم المجتمعي وضرورة مواكبة التطورات وجذب الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، دون تقييم كافٍ لآثارها البعيدة المدى على العدالة الاجتماعية أو على حماية الفئات الأضعف. ومن هنا يعلو الصوت بضرورة إعادة النظر في الفلسفة التشريعية التي تحكم عملية المواءمة، بحيث لا تُختزل.

ان عملية المواءمة يظهر بها القصور المؤسسي والذي نراه بوضوح تام من خلال ضعف التنسيق بين الجهات المعنية بالتشريع وانعدام - الى حد ما – الدراسات القانونية العميقة مسبقاً فضلاً عن البعد من اشراك المختصين والفاعلين أصحاب الخبرات في صياغة التعديلات مما يؤدي الى تشريعات تفتقر احياناً الى الدقة والوضوح مما يجعل حجم العبء على الاجتهاد القضائي يزداد وقد تظهر بعضها متباينة نتيجة التشريعات انفة الذكر.

ومن منظوراجتهادي ولغايات الارتقاء بقانون المواءمة في التشريع الأردني يتطلب اتخاذ عدة خطوات نرى من أهمها تجاوزالمقاربات الشكلية وتبني منهج نقدي قائم على دراسة معمقة للسياق الوطني ويهدف الى الوصول الى التوازن بين الالتزامات الدولية ومتطلبات سيادتنا القانونية وتغليب المصلحة العامة وعليه، فإن الارتقاء بقانون المواءمة في التشريع الأردني يتطلب تجاوز المقاربة الشكلية نحو تبني نهج تشريعي نقدي يقوم على دراسة معمقة للسياق الوطني، ويوازن بين الالتزامات الدولية ومتطلبات السيادة القانونية، ويضع المصلحة العامة في صدارة الاعتبار. كما يقتضي الأمر تعزيز الرقابة الدستورية، وتفعيل دور البحث القانوني، وضمان مشاركة أوسع للخبراء القانونيين في مختلف مراحل العملية التشريعية.

وبخلاصة، إن المواءمة التشريعية، وإن كانت ضرورة لا يمكن إنكارها، إلا أن فعاليتها في السياق الأردني تبقى مرهونة بمدى وعي المشرّع بحدودها وضوابطها، وبقدرته على تحويلها من مجرد استجابة خارجية إلى أداة إصلاح قانوني حقيقي تنطلق من الواقع الأردني وتخدمه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/26 الساعة 11:24