لماذا قاطعت مؤتمر الحزب الديمقراطي الاجتماعي

مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/26 الساعة 10:25
بقلم: المحامي عاصف برغش

بداية، لا بد من الاعتراف بأنني، وإلى ما قبل عدة سنوات، كنت – مثل كثيرين – محبطا من العمل الحزبي، مبتعدا عن الخوض في شؤونه، مستندا في ذلك إلى تجربة طويلة، وإن كانت غير مباشرة، لكنها كافية لترسيخ هذا الإحباط.

في ضوء ذلك، انحصر جلّ نشاطي في العمل العام داخل نقابة المحامين، التي انتسبت إليها قبل أكثر من ثلاثين عاما، وأحفظ خريطتها السياسية عن ظهر قلب. فمنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، انخرطنا في العمل النقابي، واختبرنا عن قرب معنى التنظيم، والتنافس، والاختلاف، وأثر البرامج والمواقف حين تتقدم – أو تتراجع – أمام الأشخاص.

لم تكن فكرة الانتساب إلى حزب سياسي تراودني، ويعود ذلك إلى تجربتي الشخصية، التي يعززها واقع الحياة الحزبية العربية عموما، حيث تُحكم التنظيمات بالأشخاص لا بالأفكار، وتُدار بالولاءات لا بالبرامج، وتُختزل الديمقراطية في إجراءات شكلية لا تمس جوهر الديمقراطية.

قبل سنوات، ورغم حالة الإحباط هذه، دعاني الصديق الأديب الأريب والزميل المحامي جمال القيسي إلى الانتساب للحزب الديمقراطي الاجتماعي، وهو الأعرف بمدى عزوفي المبدئي عن العمل الحزبي. جاءت الدعوة باسمي وباسم مجموعة من الزميلات والزملاء المحامين، في لحظة سياسية كان يُفترض أنها تؤسس لمسار جديد في الحياة الحزبية، يقوم على التعددية، واحترام الرأي الآخر، وتتطلب الاحتكام إلى النظام الداخلي، لا إلى موازين القوى الشخصية.

لبّينا الدعوة آنذاك انطلاقا من ثقتنا المطلقة بصاحب الدعوة جمال القيسي ومن حسن النية، ومن قناعة بأن التجربة تستحق المحاولة، وأن الإصلاح لا يكون دائما من الخارج. غير أن ما تكرّس لاحقا داخل الحزب، من ممارسات تنظيمية وإدارية وسياسية، أعاد إلى الواجهة ذات الأسباب التي دفعتني سابقا للابتعاد عن العمل الحزبي: تغليب الأشخاص على المؤسسات، وتهميش القواعد، وتفريغ النصوص الديمقراطية من مضمونها، وتحويل المؤتمرات من محطات للمراجعة والمساءلة إلى إجراءات شكلية لتكريس واقع قائم.

ويضاف إلى ذلك، أن إسقاط أسماء عددٍ من الشخصيات النقابية والثقافية والإعلامية المعروفة من جداول الناخبين شكّل، في تقديري، سقطة حزبية جسيمة لا يمكن تبريرها إداريا أو تنظيميا؛ فهذه الأسماء لا تمثّل أفرادًا عاديين في الحزب، بل نخبة لها حضورها العام وتجربتها المهنية والفكرية، وكان الأجدر التعامل معها بمنطق الاحترام والشراكة، لا بمنطق الشطب والتغييب.

إن هذا السلوك لا يعكس فقط استخفافًا بقيمة هذه النخبة، بل يكشف عن عقلية إقصائية ترى في التنوع خطرًا، وفي الاختلاف تهديدًا، وتسعى إلى إغلاق الطريق مسبقًا أمام أي تيار فكري أو ثقافي لا ينسجم مع توجه القيادة الفعلية. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما جرى عن محاولة واضحة لإغلاق الطريق على التيار الذي يمثلنا في الحزب الديمقراطي الاجتماعي وهو تيار جمال القيسي، وهو تيار ذو لون ثقافي وفكري، يشكّل إضافة معنوية نوعية وكبيرة للحزب، يعترف بها ويحترمها الوسط السياسي والثقافي التنويري.

إن مقاطعتنا لمؤتمر الحزب لم تكن موقفًا شخصيًا، ولا رد فعل؛ بل تعبيرًا صريحًا عن رفض لمنهجية تُدار بها الحياة الداخلية للحزب، وتتعارض مع المبادئ التي انتسبنا على أساسها، ومع أبسط قواعد العمل الديمقراطي التي خبرناها – وندافع عنها – في العمل النقابي والمهني.

فالحزب الذي لا يحتمل النقد، ولا يصغي لأعضائه، ولا يراجع أخطاءه بشجاعة، يفقد مبرر وجوده، مهما حسنت شعاراته. والمشاركة في مؤتمر يفتقد، في نظري، لشروط النزاهة السياسية والتنظيمية، لا تخدم الإصلاح، بل تضفي شرعية على اختلالٍ أرفضه مبدئيًا.

من هنا، جاءت المقاطعة موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا، وانحيازًا للفكرة لا للأشخاص، وللديمقراطية كجوهر لا كشكل، ولحق الأعضاء في حزب يُدار بالقانون والمؤسسة، لا بالإقصاء ولا بالمجاملة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/26 الساعة 10:25