دورة دافوس الاخيرة.. من صراع المصالح إلى نداء الفضائل

الشيخ المحفوظ بن بيه
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/25 الساعة 23:01
كشفت دورة دافوس الاخيرة، التي نظمها منتدى الاقتصاد العالمي World Economic Forum، عن مفارقة عميقة في بنية النظام الدولي المعاصر. فمن جهة، برزت طاولة الاقتصاد بوصفها مركز الثقل الحقيقي للتأثير العالمي، حيث تتحرك رؤوس الاموال، والتكنولوجيا، والتحالفات السريعة بفاعلية لافتة. ومن جهة اخرى، تراجع الحضور العملي للمنظومة متعددة الاطراف، وفي مقدمتها الامم المتحدة United Nations، بما تمثله من شرعية قانونية جامعة.

غير ان هذا التحول لا يمكن قراءته فقط من زاوية التوازنات المؤسسية، بل ينبغي فهمه في سياق ازمة اعمق – ازمة المعنى والميزان. فحين تتقدم المصالح المجردة عن القيم، ويتحول النفوذ الاقتصادي والعسكري الى معيار للعدل، يصبح العالم مهددا بالانزلاق نحو منطق بدائي يعيد تعريف الحق بالقوة، والظلم بالغلبة.

وقد كان معالي الشيخ الوالد، حفظه الله، يستحضر في هذا السياق رواية بليغة من الجاهلية، حين سُئل اعرابي عن العدل فقال: العدل ان اغير على جاري فاقتله واسلب ماله وعياله، وسُئل عن الجور فقال: الجور ان يغير علي جاري. في هذه الصورة المكثفة تنقلب القيم، ويغيب الميزان، ويصبح الفعل العدواني حقا مكتسبا لمن يملك القدرة. وهي فلسفة تجد صداها المعاصر في سرديات ثقافية مثل فيلم التطهير The Purge، يتحدث هاذ الفلم الامريكي عن تصور انه و في كل عام، ولمدة 12 ساعة، يُصبح ارتكاب أي جريمة مباحًا، حيث تتوقف الشرطة عن العمل، وتُغلق المستشفيات أبوابها. حيث تُعلّق القواعد، وتُشرعن الفوضى، ويُترك المجال لمن يملك القوة.

ما عكسته دورة دافوس الاخيرة، في ظل تصاعد الحديث الضمني عن القوة العسكرية وتراجع مرجعية القانون الدولي، هو اقتراب مقلق من هذا المنطق ، منطق عالم تحكمه المصالح العارية، لا القيم الضابطة. وهنا تبرز الحاجة الملحّة الى استعادة البعد الاخلاقي في الحوكمة العالمية، لا بوصفه ترفا خطابيا، بل شرطا لبقاء النظام الدولي ذاته.

في هذا الافق، تكتسب الدعوة التي يؤكد عليها حلف الفضول الجديد راهنيتها الاستراتيجية. فالبشرية، نعم، تجمعها المصالح، لكن الفضائل هي التي تذكرها بحدود هذه المصالح، وبالغاية من تنظيمها. والتاريخ يعلمنا ان التنازع على البقاء يفضي في النهاية الى الفناء، بينما التعاون على البقاء هو وحده ما يفضي الى البقاء والاستمرار.

ان اعادة التوازن بين قوة الاقتصاد، وضبط القوة العسكرية، واستعادة مرجعية القانون الدولي، لا يمكن ان تنجح دون مرجعية قيمية عليا – مرجعية تجعل من العدل قيمة مشتركة، لا امتيازا للقوي، ومن الكرامة الانسانية خطا احمر، لا تفصيلا تفاوضيا. فالعالم لا يحتاج فقط الى طاولات تفاوض اقوى، بل الى ميزان اخلاقي يعيد توجيه المصالح، ويمنع ان يتحول صراع البقاء الى مسار جماعي نحو الفناء.

تلك هي رسالة دافوس حين تُقرأ بعمق وتحذيرها الاكبر ان الاقتصاد بلا فضيلة، والقوة بلا قانون، لا يصنعان نظاما عالميا، بل يؤسسان لفوضى مؤجلة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/25 الساعة 23:01