أبو زيد يكتب: من الامتحان إلى المنظومة.. الثانوية العامة الأردنية في مواجهة تحديات المستقبل

زيد أبو زيد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/25 الساعة 16:42
يشهد امتحان الثانوية العامة الأردنية انتقالًا نوعيًّا من مرحلة التطوير الجزئي إلى التغيير الشامل، ليقترب من المعايير العالمية للاختبارات الدولية، عبر نظام يقوم على التدرج الزمني (نظام العامين)، وتنوع المسارات، ودمج المواد الإجبارية بالاختيارية، بما يراعي قدرات الطلبة وميولهم، ويخدم خياراتهم الجامعية والمهنية المستقبلية.

نحن اليوم أمام عهد جديد لا يخص الطلبة وحدهم، بل يشمل المعلمين، وأولياء الأمور، والمنظومة التعليمية بأكملها.

وقبيل بدء تطبيق هذا النظام في عامه الأول، لا بد من تسجيل موقف واضح: إن قرار الدولة الأردنية، ووزارة التربية والتعليم على وجه الخصوص، بتطوير امتحان الثانوية العامة، جاء دون المساس بمصداقيته وسمعته العربية والدولية، وهو قرار محسوب، تراكمي، ومتدرج، لا يقفز في الهواء ولا يُدار بردود الأفعال.

لقد كتبتُ سابقًا مطولًا عن مواصفات الامتحان الجيد، وعن جاهزية الوزارة، وعن أن القلق المجتمعي المتراكم عبر عقود من ثقافة “الفشل” بدأ يتراجع، أو هو في طريقه إلى الزوال، بعد أن أنهكت هذه الثقافة الطلبة وذويهم، حتى وصل الحال بطلبة تجاوزت معدلاتهم (95%) إلى إعادة الامتحان لرفع المعدل، في مشهد يعكس خللًا لا في الطلبة، بل في الفلسفة التربوية ذاتها.

إن الامتحان الناجح لا يُبنى على الصدفة، بل على خارطة طريق واضحة، تبدأ بتحديد الأهداف، وتمر بقياس المعرفة، ومهارات التفكير العليا، وتنتهي بعدالة التصحيح وموضوعيته. امتحان يكون صادقًا في قياس ما وُضع لقياسه، شاملًا لمهارات المادة، مميزًا بين مستويات الطلبة، مراعيًا للفروقات الفردية، محفزًا على بذل الجهد، وواقعيًا في مستوى الصعوبة، بعيدًا عن التعجيز أو الانتقام.

لكن ما إن تقدم الطلبة لامتحان الرياضيات (الورقة الأولى)، حتى انقلب المشهد، وتحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة مفتوحة، اختلط فيها الرأي العلمي بالانطباع، والنقد الموضوعي بالصوت العالي، وأصبح الجميع محللًا وخبيرًا وحَكَمًا، قبل أن تهدأ العاصفة، وقبل أن يُمنح العقل التربوي فرصة للحديث.

ومن المهم التأكيد هنا: لا مصلحة لوزير التربية والتعليم، ولا لأي مسؤول في الوزارة، بوضع امتحان يخل بالشروط العلمية. كما أن سرية الامتحانات تحول دون اطلاع أي جهة عليها قبل تقديمها. والمنطق البسيط يقول إن صانع القرار لا يبحث عن معارك جانبية، بل عن نجاح إصلاحي يُحسب له لا عليه.

إن ما جرى كان، في جوهره، معركة إعلامية رقمية، خيضت بعلم وبغير علم. ففي عصر استحوذت فيه منصات التواصل الاجتماعي على ناصية الإعلام، أصبح التزوير، والتضليل، والتشويه، والتنمر، جزءًا من المشهد اليومي. وما قد يُحتمل في أوقات الرخاء، يصبح في أوقات الأزمات خطرًا على الوعي العام، وعلى الثقة بالمؤسسات، قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: 55]،

وقال رسول الله ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

لقد مرّ العالم، بما فيه الأردن، بجائحة عطلت التعليم لما يقارب عامين، وأنتجت فاقدًا تعليميًا ونفسيًا واجتماعيًا واسعًا، حاولت الأنظمة التعليمية تعويضه عبر التعليم المدمج، والبرامج التعويضية، والدعم النفسي الاجتماعي. ومن غير المنصف أن يُطلب من امتحان واحد أن يحمل كل هذا الإرث الثقيل، ثم يُدان بمنشور أو مقطع عابر.

إننا في بلدٍ عظيم، بقيادة حكيمة، وشعب واعٍ، ومؤسسات قادرة على التعلم والتصحيح. وما نحتاجه اليوم ليس تضخيم الأخطاء، ولا اغتيال الجهود، بل نقدًا مهنيًا هادئًا، يحمي الإصلاح ولا يهدمه، ويصون مستقبل أبنائنا بدل أن يربكه.

الثانوية العامة الأردنية ليست امتحانًا فقط، بل منظومة وطنية، وأي إصلاح حقيقي فيها يحتاج إلى وقت، وصبر، وثقة، وإعلام مسؤول، في زمن بات فيه الضجيج أعلى من الحقيقة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/25 الساعة 16:42