الأسباب والسياقات التي دفعت بالملك لإرسال رسالته إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/24 الساعة 17:59
مدار الساعة - كتب: د. محمد أبو رمان - تحمل الرسالة التي بعثها الملك عبدالله الثاني، إلى رئيس هيئة أركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية، اللواء يوسف الحنيطي، دلالات مهمة واستراتيجية على أكثر من صعيد، وتتضمن رسائل إلى الداخل والخارج على السواء.
الرسالة دعت إلى بناء استراتيجية لتحديث القوات المسلحة الأردنية ولتكون على درجة عالية من المرونة والرشاقة، والكفاءة القتالية، وتطوير المجالات المتعلقة بأنظمة العمليات الدفاعية والهجومية السيبرانية وتعزيز قوات الاحتياط في الجيش، وإشراك مراكز الأبحاث والدراسات والصناعات العسكرية الدفاعية في عملية تحديث القوات المسلحة.
ولعلّ السؤال الأكثر أهمية يتمثّل في الأسباب والسياقات التي دفعت بالملك إلى إقرار هذا التوجه الاستراتيجيي، العسكري والأمني، ولعلّ الحديث هنا عن سببين رئيسيين، يرتبطان بالضرورة بالسياقات الجديدة في النظام العالمي وفي المنطقة وفي الدروس المستفادة من الحروب الإخيرة في المنطقة، بخاصة بعد هجوم 7 اكتوبر 2023، ثم الحرب الإسرائيلية على غزة وتداعياتها الإقليمية ومنها حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران.
السبب الأول يرتبط بالضرورة بالتغير في طبيعة الحروب الحروب العسكرية اليوم، وهو ما ظهر بصورة جلية في الحروب الأخيرة، بالأخص التزايد الكبير في دور المسيّرات والتكنولولجيا الجديدة في الحروب، والأكثر أهمية التحول والتطوّر الكبير في مجال الذكاء الاصطناعي وانعكاساته على عملية الاختراقات الأمنية والتجسس، والأخطر من ذلك كله الحروب السيكولوجية والمعنوية والقدرة على التلاعب بعواطف الشعوب وأفكارها واستثمار الخوارزميات والحروب السيبرانية بصورة متزايدة أكثر من أيّ وقت مضى، ما يعني أن الحرب على غزة وما بعدها هي بمثابة جيل جديدة وعصر مختلف من الحروب ذات الطابع الهجين؛ الذي يجمع كل الأبعاد العلمية والبحثية والتكنولوجية والأمنية والعسكرية والأليات التقليدية والروبوتات وحروب العصابات والمسيّرات التي أصبحت جزءاً أساسياً وفتاكاً في الحروب، كما ظهر ايضاً في الحروب الأخرى في السودان والحرب الروسية- الأوكرانية.
لطالما كانت هذه الأفكار مصدر اهتمام كبير للملك، وهي موضوع قديم- جديد بالنسبة لتوجهاته، وقد ذكر بعضاً منها مبكراً في كتابه “فرصتنا الأخيرة: السعي نحو السلام في زمن الخطر”، وكان يتحدث عنها باستمرار، وإذا كانت سابقاً تشكل جزءاً من رؤيته السياسية للأمور، فهي اليوم بمثابة أولوية وطنية قصوى، وشرط رئيس لحماية الأمن الوطني وتطوير قدرة الدولة على التعامل مع التحديات العسكرية والأمنية الجديدة.
السبب الثاني، الكامن وراء التوجه الاستراتيجي الجديد، يتمثّل بالتحولات الاستراتيجية الكبرى المحيطة في الأردن، سواء على طبيعة النظام الدولي الذي هو في لحظة انتقالية ومفصلية مما ينعكس أيضاً على التفاعلات الدولية أولاً، والإقليمية ثانية، ومن المعروف أن عملية التحول والانتقال من نظام دولي إلى آخر، على سبيل المثال من أحادي القطبية Unipolar System إلى متعدد الأقطاب Multipolar System لا تكون عملية سهلة ولا قصيرة المدى، بل مركبة وتتخللها منعطفات وأزمات هنا وهناك، وارتدادات أقليمية، وهو ما يدفع بالدول الكبيرة والعظمى إلى محاولة حماية مصالحها وأمنها القومي، وتكون الدول الصغيرة Small States عرضة أكثر من غيرها لمثل هذه التحولات واللحظات الانتقالية العنيفة.
تتشابك خيوط الحالة الإقليمية مع الدولية، بالضرورة، مع النظام الدولي، وإن كان إقليم الشرق الأوسط هو أحد أكثر الأقاليم في العالم اليوم توتراً وأزمات ومشكلات تأخذ طابعاً بنيوياً – طويل الأمد في كثير من الأحيان، لذلك فإنّ التوجه الاستراتيجي الجديد يحمل – في طيّاته- دلالة مهمة تتمثّل بأنّ الخلاصة أو القناعة التي وصل إليها الملك أنّ السياقات القادمة لن تحمل عوامل الاستقرار والهدوء أو السلام الإقليمي، بل ستكون بمثابة مرحلة عاصفة وخطيرة، وتحمل من مصادر التهديد الجديدة والمستقبلية ما يتطلب عملية التحول، التي وصفها الملك بـ” البنيوي” في القوات المسلحة، وهو ما كشفته إحدى الفقرات المهمة والمفتاحية في الرسالة الملكية، التي يقول فيها ” وحرصا منا على تعزيز قدرات جيشنا العربي وتطوير إمكانياته وأدواته بشكل مستمر، فإننا نوجهكم بإعداد استراتيجية شاملة وخارطة طريق واضحة لتحقيق تحول بنيوي في القوات المسلحة خلال الثلاث سنوات القادمة، لتمكينها من مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية والتغيرات المتسارعة والتحديات الناشئة التي فرضتها التطورات التكنولوجية واتساع بيئة العمليات”.
في الخلاصة فإنّ الرسالة الملكية تحمل رسائل رئيسية للداخل والخارج على السواء؛ الرسالة إلى الداخل بأهمية الثقة بالقوات المسلحة وبإدراك الدولة وعملها على تطوير القدرات العسكرية والأمنية لمواجهة مصادر التهديد الجديدة والخطيرة وإدارة التعامل مع التحولات الدولية والإقليمية ومصادر التهديد الراهنة والقادمة.
وهي – أيضاً – رسالة إلى الخارج بأنّ الأردن يتعامل بجدية مع التحديات والتهديدات الخارجية، وأنّه قادر على التعامل معها، ولن يقبل بفرض أي أجندة أو تصورات إقليمية ودولية تتعارض مع مصالحه الاستراتيجية أو أمنه القومي.
الرسالة دعت إلى بناء استراتيجية لتحديث القوات المسلحة الأردنية ولتكون على درجة عالية من المرونة والرشاقة، والكفاءة القتالية، وتطوير المجالات المتعلقة بأنظمة العمليات الدفاعية والهجومية السيبرانية وتعزيز قوات الاحتياط في الجيش، وإشراك مراكز الأبحاث والدراسات والصناعات العسكرية الدفاعية في عملية تحديث القوات المسلحة.
ولعلّ السؤال الأكثر أهمية يتمثّل في الأسباب والسياقات التي دفعت بالملك إلى إقرار هذا التوجه الاستراتيجيي، العسكري والأمني، ولعلّ الحديث هنا عن سببين رئيسيين، يرتبطان بالضرورة بالسياقات الجديدة في النظام العالمي وفي المنطقة وفي الدروس المستفادة من الحروب الإخيرة في المنطقة، بخاصة بعد هجوم 7 اكتوبر 2023، ثم الحرب الإسرائيلية على غزة وتداعياتها الإقليمية ومنها حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران.
السبب الأول يرتبط بالضرورة بالتغير في طبيعة الحروب الحروب العسكرية اليوم، وهو ما ظهر بصورة جلية في الحروب الأخيرة، بالأخص التزايد الكبير في دور المسيّرات والتكنولولجيا الجديدة في الحروب، والأكثر أهمية التحول والتطوّر الكبير في مجال الذكاء الاصطناعي وانعكاساته على عملية الاختراقات الأمنية والتجسس، والأخطر من ذلك كله الحروب السيكولوجية والمعنوية والقدرة على التلاعب بعواطف الشعوب وأفكارها واستثمار الخوارزميات والحروب السيبرانية بصورة متزايدة أكثر من أيّ وقت مضى، ما يعني أن الحرب على غزة وما بعدها هي بمثابة جيل جديدة وعصر مختلف من الحروب ذات الطابع الهجين؛ الذي يجمع كل الأبعاد العلمية والبحثية والتكنولوجية والأمنية والعسكرية والأليات التقليدية والروبوتات وحروب العصابات والمسيّرات التي أصبحت جزءاً أساسياً وفتاكاً في الحروب، كما ظهر ايضاً في الحروب الأخرى في السودان والحرب الروسية- الأوكرانية.
لطالما كانت هذه الأفكار مصدر اهتمام كبير للملك، وهي موضوع قديم- جديد بالنسبة لتوجهاته، وقد ذكر بعضاً منها مبكراً في كتابه “فرصتنا الأخيرة: السعي نحو السلام في زمن الخطر”، وكان يتحدث عنها باستمرار، وإذا كانت سابقاً تشكل جزءاً من رؤيته السياسية للأمور، فهي اليوم بمثابة أولوية وطنية قصوى، وشرط رئيس لحماية الأمن الوطني وتطوير قدرة الدولة على التعامل مع التحديات العسكرية والأمنية الجديدة.
السبب الثاني، الكامن وراء التوجه الاستراتيجي الجديد، يتمثّل بالتحولات الاستراتيجية الكبرى المحيطة في الأردن، سواء على طبيعة النظام الدولي الذي هو في لحظة انتقالية ومفصلية مما ينعكس أيضاً على التفاعلات الدولية أولاً، والإقليمية ثانية، ومن المعروف أن عملية التحول والانتقال من نظام دولي إلى آخر، على سبيل المثال من أحادي القطبية Unipolar System إلى متعدد الأقطاب Multipolar System لا تكون عملية سهلة ولا قصيرة المدى، بل مركبة وتتخللها منعطفات وأزمات هنا وهناك، وارتدادات أقليمية، وهو ما يدفع بالدول الكبيرة والعظمى إلى محاولة حماية مصالحها وأمنها القومي، وتكون الدول الصغيرة Small States عرضة أكثر من غيرها لمثل هذه التحولات واللحظات الانتقالية العنيفة.
تتشابك خيوط الحالة الإقليمية مع الدولية، بالضرورة، مع النظام الدولي، وإن كان إقليم الشرق الأوسط هو أحد أكثر الأقاليم في العالم اليوم توتراً وأزمات ومشكلات تأخذ طابعاً بنيوياً – طويل الأمد في كثير من الأحيان، لذلك فإنّ التوجه الاستراتيجي الجديد يحمل – في طيّاته- دلالة مهمة تتمثّل بأنّ الخلاصة أو القناعة التي وصل إليها الملك أنّ السياقات القادمة لن تحمل عوامل الاستقرار والهدوء أو السلام الإقليمي، بل ستكون بمثابة مرحلة عاصفة وخطيرة، وتحمل من مصادر التهديد الجديدة والمستقبلية ما يتطلب عملية التحول، التي وصفها الملك بـ” البنيوي” في القوات المسلحة، وهو ما كشفته إحدى الفقرات المهمة والمفتاحية في الرسالة الملكية، التي يقول فيها ” وحرصا منا على تعزيز قدرات جيشنا العربي وتطوير إمكانياته وأدواته بشكل مستمر، فإننا نوجهكم بإعداد استراتيجية شاملة وخارطة طريق واضحة لتحقيق تحول بنيوي في القوات المسلحة خلال الثلاث سنوات القادمة، لتمكينها من مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية والتغيرات المتسارعة والتحديات الناشئة التي فرضتها التطورات التكنولوجية واتساع بيئة العمليات”.
في الخلاصة فإنّ الرسالة الملكية تحمل رسائل رئيسية للداخل والخارج على السواء؛ الرسالة إلى الداخل بأهمية الثقة بالقوات المسلحة وبإدراك الدولة وعملها على تطوير القدرات العسكرية والأمنية لمواجهة مصادر التهديد الجديدة والخطيرة وإدارة التعامل مع التحولات الدولية والإقليمية ومصادر التهديد الراهنة والقادمة.
وهي – أيضاً – رسالة إلى الخارج بأنّ الأردن يتعامل بجدية مع التحديات والتهديدات الخارجية، وأنّه قادر على التعامل معها، ولن يقبل بفرض أي أجندة أو تصورات إقليمية ودولية تتعارض مع مصالحه الاستراتيجية أو أمنه القومي.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/24 الساعة 17:59