أبو لبن يكتب: ليث شبيلات والإخوان المسلمين بين التقاطع والخلاف
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/24 الساعة 12:02
في سيرة ليث شبيلات، لا يمكن المرور عابرًا على علاقته بجماعة الأخوان المسلمين، لا بوصفها انتسابًا تنظيميًا مباشرًا بقدر ما هي تماسٌّ مع فكرة، ومجاورةٌ لضميرٍ عام، وتحالفُ لحظةٍ مع خطابٍ أخلاقيٍّ رأى فيه صدىً لقلقه العميق على الوطن والعدالة. كانت تلك العلاقة أقرب إلى مسافةٍ مشدودة بالحوار منها إلى اندماجٍ كامل، وأقرب إلى رفقةِ دربٍ متقاطعة منها إلى انضواءٍ تحت لافتةٍ واحدة.
عرف ليث شبيلات الأخوان المسلمين كما تُعرف التيارات الكبرى في المجتمعات الحيّة: قوةً اجتماعيةً واسعة، وخطابًا أخلاقيًا حاضرًا في الشارع، وقدرةً على التنظيم والاحتجاج. لم يقترب منهم بدافع البراغماتية، ولا بحثًا عن مظلةٍ سياسيةٍ تحمي صوته، بل لأنّ الرجل، في جوهره، كان يبحث عن منبرٍ للقول الصريح، وعن كتلةٍ اجتماعيةٍ لا تخاف من رفع الأسئلة الثقيلة: كيف تُصان كرامة الناس؟ ومن يحرس المال العام؟
في هذا المعنى، بدا التقاطع بين ليث والأخوان تقاطعَ قِيَمٍ قبل أن يكون تقاطعَ مواقع. فالخطاب الذي يجرّم الفساد، ويشدّد على العدالة الاجتماعية، ويستحضر المرجعية الأخلاقية في السياسة، كان قريبًا من حساسيته الفكرية والوجدانية. غير أنّ شبيلات - بحدّته المعهودة - لم يكن من طينة من يذوبون في الجماعات؛ كان دائمًا صاحب نبرةٍ مستقلّة، يرى التنظيم أداةً لا قدرًا، ويعامل التحالف بوصفه خيارًا أخلاقيًا مؤقتًا، لا عقدَ ولاءٍ دائمًا.
ولعلّ ما يميّز هذه العلاقة أنّها لم تُلغِ نقده. ظلّ ليث، حتى وهو قريب، محتفظًا بحقه في المساءلة، وبقدرته على الاعتراض حين يرى انحرافًا أو حسابًا ضيقًا لا يليق بحلمٍ كبير. لم يكن من المصفّقين، ولا من المسايرين. كان، ببساطة، رجلًا يقدّم الضمير على الانضباط، والسؤال على الطاعة. وهذا ما جعل علاقته بالأخوان علاقة شدٍّ وجذبٍ دائمين: يلتقي معهم في ساحاتٍ، ويختلف في أخرى، ويترك الباب مواربًا للقول الحرّ.
وفي سياق تلك العلاقة المتوتّرة ـ الهادئة، القريبة ـ البعيدة، لا تكتمل صورة ليث شبيلات مع جماعة الأخوان المسلمين من دون التوقّف عند الردود المتبادلة بين الطرفين؛ تلك الردود التي لم تكن يومًا مجرّد سجالات عابرة، بل كانت انعكاسًا حيًّا لاختلافٍ عميقٍ في فهم السياسة، وحدودها، ووظيفتها الأخلاقية.
كان ليث شبيلات، حين يختلف، يختلف علنًا. لم يعرف همس الكواليس، ولا بيانات المجاملة. فإذا رأى موقفًا للأخوان يقترب من التسوية الملتبسة، أو من لغةٍ رماديةٍ لا تقول كلّ ما ينبغي قوله، خرج بصوته الجهوري، ناقدًا، مسمّيًا الأشياء بأسمائها. وكان يقول، في أكثر من مناسبة، إنّ السكوت على الخطأ شراكةٌ فيه، وإنّ الحركة التي لا تحتمل النقد محكومٌ عليها بالتحجّر.
في المقابل، لم تكن ردود الأخوان واحدة النبرة. بعض قياداتهم ومفكريهم تعاملوا مع نقد ليث بوصفه نقدًا من داخل الهمّ الوطني، لا طعنًا ولا خصومة. رأوا فيه صوتًا حرًّا، صعبًا، لكنه صادق، وأقرّوا ـ أحيانًا بصراحة وأحيانًا بتحفّظ ـ بأنّ حدّته كانت تذكيرًا دائمًا بخطر الانزلاق إلى السياسة الحسابية. وفي هذه الدائرة، ظلّ الاحترام قائمًا، حتى في ذروة الخلاف.
غير أنّ دوائر أخرى داخل الجماعة كانت تنظر إلى ردود ليث بعين الريبة. اعتبر بعضهم أنّ حدّته تسيء إلى "الصفّ"، وأنّ نقده العلني يضعف الموقف العام، أو يقدّم الذرائع للخصوم. هنا، كانت ردودهم تميل إلى الدفاع التنظيمي، وإلى التذكير بـ"تعقيدات المرحلة" و"ضرورات العمل الجماعي". وكان ليث، في مواجهتهم، أكثر صلابة، يردّ بأنّ المرحلة لا تبرّر التنازل عن الحقيقة، وأنّ الصفّ الذي لا تحميه الأخلاق لا تحميه الكثرة.
ومن أكثر النقاط التي فجّرت الردود المتبادلة، موقف ليث من العلاقة مع السلطة. فحين اختار الأخوان أحيانًا خطابًا أقلّ صدامية، أو مسارًا تفاوضيًا، رأى ليث في ذلك مخاطرةً بالمعنى، وخسارةً للثقة الشعبية. ردّ عليهم بوضوح: "القوة ليست في عدد المقاعد، بل في وضوح الموقف". فجاء ردّهم، في بعض الأحيان، بأنّ السياسة فنّ الممكن، وأنّ الصدام الدائم قد يقود إلى العزلة. وهنا، انكشفت الفجوة بين رجلٍ يرى السياسة امتدادًا للأخلاق، وجماعةٍ ترى الأخلاق جزءًا من السياسة، لا كلّها.
ومع ذلك، لم تنحدر هذه الردود إلى القطيعة الكاملة. ظلّ خيط رفيع من الاحترام المتبادل قائمًا؛ لأنّ الطرفين كانا يعرفان أنّ الخلاف ليس على الوطن، بل على الطريق إليه. كان الإخوان يدركون أنّ ليث لا يناور، وأنّ نقده لا يُشترى ولا يُستأجر. وكان ليث يعرف أنّ الجماعة، رغم ما يأخذه عليها، تمثّل قوة اجتماعية حقيقية، لا يمكن شطبها من المعادلة الوطنية.
هكذا تحوّلت الردود بين ليث شبيلات والإخوان المسلمين إلى مرآةٍ للفارق بين الفرد والجماعة: الفرد الذي يتقدّم خطوةً على الجميع حين يرى الخطر، والجماعة التي تحسب خطواتها خوفًا من الكسر. لم يكن أحدهما بريئًا تمامًا، ولا مدانًا تمامًا، لكنّ المسافة بينهما كانت دائمًا مسافة سؤال: هل تُدار السياسة بالضمير أم بالحساب؟
وفي المحصّلة، لم تُضعف هذه الردود المتبادلة قيمة العلاقة، بل كشفت جوهرها. فقد ظلّ ليث شبيلات، حتى في أشدّ لحظات الخلاف، شاهدًا على إمكانية أن تكون قريبًا دون أن تكون تابعًا، وأن تختلف دون أن تتحوّل إلى خصم. وعلاقة ليث بالإخوان ـ بما حفلت به من ردود حادّة وأخرى هادئة ـ بقيت درسًا في أنّ الحوار الحقيقي لا يقوم على التطابق، بل على الشجاعة في قول ما لا يريح، حين يكون الصمت خيانةً للمعنى.
عرف ليث شبيلات الأخوان المسلمين كما تُعرف التيارات الكبرى في المجتمعات الحيّة: قوةً اجتماعيةً واسعة، وخطابًا أخلاقيًا حاضرًا في الشارع، وقدرةً على التنظيم والاحتجاج. لم يقترب منهم بدافع البراغماتية، ولا بحثًا عن مظلةٍ سياسيةٍ تحمي صوته، بل لأنّ الرجل، في جوهره، كان يبحث عن منبرٍ للقول الصريح، وعن كتلةٍ اجتماعيةٍ لا تخاف من رفع الأسئلة الثقيلة: كيف تُصان كرامة الناس؟ ومن يحرس المال العام؟
في هذا المعنى، بدا التقاطع بين ليث والأخوان تقاطعَ قِيَمٍ قبل أن يكون تقاطعَ مواقع. فالخطاب الذي يجرّم الفساد، ويشدّد على العدالة الاجتماعية، ويستحضر المرجعية الأخلاقية في السياسة، كان قريبًا من حساسيته الفكرية والوجدانية. غير أنّ شبيلات - بحدّته المعهودة - لم يكن من طينة من يذوبون في الجماعات؛ كان دائمًا صاحب نبرةٍ مستقلّة، يرى التنظيم أداةً لا قدرًا، ويعامل التحالف بوصفه خيارًا أخلاقيًا مؤقتًا، لا عقدَ ولاءٍ دائمًا.
ولعلّ ما يميّز هذه العلاقة أنّها لم تُلغِ نقده. ظلّ ليث، حتى وهو قريب، محتفظًا بحقه في المساءلة، وبقدرته على الاعتراض حين يرى انحرافًا أو حسابًا ضيقًا لا يليق بحلمٍ كبير. لم يكن من المصفّقين، ولا من المسايرين. كان، ببساطة، رجلًا يقدّم الضمير على الانضباط، والسؤال على الطاعة. وهذا ما جعل علاقته بالأخوان علاقة شدٍّ وجذبٍ دائمين: يلتقي معهم في ساحاتٍ، ويختلف في أخرى، ويترك الباب مواربًا للقول الحرّ.
وفي سياق تلك العلاقة المتوتّرة ـ الهادئة، القريبة ـ البعيدة، لا تكتمل صورة ليث شبيلات مع جماعة الأخوان المسلمين من دون التوقّف عند الردود المتبادلة بين الطرفين؛ تلك الردود التي لم تكن يومًا مجرّد سجالات عابرة، بل كانت انعكاسًا حيًّا لاختلافٍ عميقٍ في فهم السياسة، وحدودها، ووظيفتها الأخلاقية.
كان ليث شبيلات، حين يختلف، يختلف علنًا. لم يعرف همس الكواليس، ولا بيانات المجاملة. فإذا رأى موقفًا للأخوان يقترب من التسوية الملتبسة، أو من لغةٍ رماديةٍ لا تقول كلّ ما ينبغي قوله، خرج بصوته الجهوري، ناقدًا، مسمّيًا الأشياء بأسمائها. وكان يقول، في أكثر من مناسبة، إنّ السكوت على الخطأ شراكةٌ فيه، وإنّ الحركة التي لا تحتمل النقد محكومٌ عليها بالتحجّر.
في المقابل، لم تكن ردود الأخوان واحدة النبرة. بعض قياداتهم ومفكريهم تعاملوا مع نقد ليث بوصفه نقدًا من داخل الهمّ الوطني، لا طعنًا ولا خصومة. رأوا فيه صوتًا حرًّا، صعبًا، لكنه صادق، وأقرّوا ـ أحيانًا بصراحة وأحيانًا بتحفّظ ـ بأنّ حدّته كانت تذكيرًا دائمًا بخطر الانزلاق إلى السياسة الحسابية. وفي هذه الدائرة، ظلّ الاحترام قائمًا، حتى في ذروة الخلاف.
غير أنّ دوائر أخرى داخل الجماعة كانت تنظر إلى ردود ليث بعين الريبة. اعتبر بعضهم أنّ حدّته تسيء إلى "الصفّ"، وأنّ نقده العلني يضعف الموقف العام، أو يقدّم الذرائع للخصوم. هنا، كانت ردودهم تميل إلى الدفاع التنظيمي، وإلى التذكير بـ"تعقيدات المرحلة" و"ضرورات العمل الجماعي". وكان ليث، في مواجهتهم، أكثر صلابة، يردّ بأنّ المرحلة لا تبرّر التنازل عن الحقيقة، وأنّ الصفّ الذي لا تحميه الأخلاق لا تحميه الكثرة.
ومن أكثر النقاط التي فجّرت الردود المتبادلة، موقف ليث من العلاقة مع السلطة. فحين اختار الأخوان أحيانًا خطابًا أقلّ صدامية، أو مسارًا تفاوضيًا، رأى ليث في ذلك مخاطرةً بالمعنى، وخسارةً للثقة الشعبية. ردّ عليهم بوضوح: "القوة ليست في عدد المقاعد، بل في وضوح الموقف". فجاء ردّهم، في بعض الأحيان، بأنّ السياسة فنّ الممكن، وأنّ الصدام الدائم قد يقود إلى العزلة. وهنا، انكشفت الفجوة بين رجلٍ يرى السياسة امتدادًا للأخلاق، وجماعةٍ ترى الأخلاق جزءًا من السياسة، لا كلّها.
ومع ذلك، لم تنحدر هذه الردود إلى القطيعة الكاملة. ظلّ خيط رفيع من الاحترام المتبادل قائمًا؛ لأنّ الطرفين كانا يعرفان أنّ الخلاف ليس على الوطن، بل على الطريق إليه. كان الإخوان يدركون أنّ ليث لا يناور، وأنّ نقده لا يُشترى ولا يُستأجر. وكان ليث يعرف أنّ الجماعة، رغم ما يأخذه عليها، تمثّل قوة اجتماعية حقيقية، لا يمكن شطبها من المعادلة الوطنية.
هكذا تحوّلت الردود بين ليث شبيلات والإخوان المسلمين إلى مرآةٍ للفارق بين الفرد والجماعة: الفرد الذي يتقدّم خطوةً على الجميع حين يرى الخطر، والجماعة التي تحسب خطواتها خوفًا من الكسر. لم يكن أحدهما بريئًا تمامًا، ولا مدانًا تمامًا، لكنّ المسافة بينهما كانت دائمًا مسافة سؤال: هل تُدار السياسة بالضمير أم بالحساب؟
وفي المحصّلة، لم تُضعف هذه الردود المتبادلة قيمة العلاقة، بل كشفت جوهرها. فقد ظلّ ليث شبيلات، حتى في أشدّ لحظات الخلاف، شاهدًا على إمكانية أن تكون قريبًا دون أن تكون تابعًا، وأن تختلف دون أن تتحوّل إلى خصم. وعلاقة ليث بالإخوان ـ بما حفلت به من ردود حادّة وأخرى هادئة ـ بقيت درسًا في أنّ الحوار الحقيقي لا يقوم على التطابق، بل على الشجاعة في قول ما لا يريح، حين يكون الصمت خيانةً للمعنى.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/24 الساعة 12:02