الشياب يكتب: بين المي والكهرباء.. المواطن الأردني يدفع ثمن الشتاء!

الدكتور المهندس عطا الشياب
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/22 الساعة 13:48
صراحةً… المواطن الأردني بات يعيش حالة إرهاق يومية، ليست بسبب ضغط العمل وحده، ولا بسبب متطلبات الحياة وحدها؛ بل بسبب “فاتورتين” أصبحتا ثقيلتين على غالبية البيوت: فاتورة المياه وفاتورة الكهرباء.

والمسألة ليست أن الناس لا ترغب في الدفع، لا والله. فالأردني بطبيعته ملتزم ويُدرك أن للخدمات كلفة، وأن استمرارها يحتاج إلى تمويل.

لكن المشكلة الحقيقية أن المواطن صار يفتح الفاتورة وهو متوتر، لأنه يشعر أن الرقم غير مفهوم أو أكبر من قدرته، فيتكرر السؤال في كل بيت، وفي كل جلسة، وفي كل حديث يومي:

لماذا ترتفع فاتورة الكهرباء في الشتاء؟ ولماذا ترتفع فاتورة المياه في الصيف؟

أولاً: لماذا ترتفع فاتورة الكهرباء في الشتاء؟

لنبتعد عن التعقيد ونضع الأمور بصورتها الواقعية:

في فصل الشتاء يزداد وقت مكوث الناس داخل المنزل، ويطول الليل، فتزداد ساعات التشغيل، وبالتالي يرتفع الاستهلاك.

لكن الزيادة الأكبر عادة تعود إلى عاملين رئيسيين:

1- التدفئة

أي وسيلة تدفئة كهربائية مثل (المكيف على وضع التدفئة، الدفايات الكهربائية، الهالوجين… إلخ) تستهلك طاقة عالية، خصوصًا عند تشغيلها لساعات طويلة خلال الأيام الباردة.

2- سخان المياه القيزر

وهذا سبب أساسي عند كثير من الأسر؛ لأن مياه الشتاء تكون أبرد، فيحتاج السخان وقتًا أطول لرفع الحرارة، وبالتالي يستهلك كهرباء أكثر.

إضافةً إلى ذلك، يوجد سلوك استهلاكي طبيعي يزداد في الشتاء مثل:

• تشغيل الغسالة الأوتوماتيك على تسخين الماء

• زيادة استخدام الفرن وأجهزة المطبخ

• الإكثار من استخدام الأجهزة الصغيرة بسبب المشروبات الساخنة

وبالمحصلة: غالبًا ما تكون الزيادة في فاتورة الشتاء زيادة استهلاك فعلية ناتجة عن طول ساعات التشغيل وكثافة الاستخدام.

ملاحظة مهمة: الشرائح وسقف (600 كيلو واط ساعة)

ومن الأسباب التي يغفل عنها كثير من المواطنين أن ارتفاع الفاتورة لا يرتبط فقط بزيادة الاستهلاك، وإنما أيضًا بسعر الكيلو واط ساعة بحسب الشرائح.

ففي كثير من الحالات، قد يكون الاستهلاك ضمن حدود معينة مدعومًا أو بسعر أقل، لكن عند تجاوز 600 كيلو واط ساعة شهريًا ينتقل المواطن إلى شريحة أعلى بسعر أكبر، مما يجعل الفاتورة ترتفع بشكل ملحوظ حتى لو كانت الزيادة في الاستهلاك بسيطة نسبيًا.

وهنا يشعر المواطن أن الفاتورة “قفزت” فجأة، بينما السبب الحقيقي هو:

الانتقال إلى شريحة أعلى

وارتفاع سعر الكيلو واط ساعة لما بعد (600 ك.و.س)

وهذا يفسّر لماذا نجد بعض الأسر ترتفع فواتيرها بقوة في الشتاء عند تشغيل وسائل التدفئة وسخانات المياه، لأن هذه الأجهزة تدفع الاستهلاك سريعًا لتجاوز حد الشرائح المدعومة أو الأقل كلفة.

ثانيًا: الفاقد الكهربائي… هل يتم تحميله على المواطن؟

هنا تحديدًا يقع اللَّبس، وتكثر الإشاعات.

بعض الناس عندما يسمعون مصطلح “الفاقد الكهربائي” يعتقدون أنه يُوزَّع على المشتركين ويُضاف إلى فواتيرهم، وهذا غير صحيح فنيًا.

الفاقد الكهربائي يشبه تمامًا فاقد المياه:

هو نسبة طبيعية تحصل داخل الشبكة أثناء النقل والتوزيع (في الأسلاك، والمحولات، ومكونات الشبكة)، وهذا موجود في كل أنظمة الكهرباء بالعالم.

والأهم:

العداد الكهربائي لا يقيس الفاقد أصلاً.

هو يقيس فقط استهلاك المنزل الحقيقي بوحدة “كيلو واط ساعة”، أي ما تستهلكه الأجهزة داخل البيت لا أكثر ولا أقل.

كما أن الفاقد لا يمكن إلغاؤه نهائيًا؛ لأن الكهرباء عندما تسري في الأسلاك سيبقى هناك جزء فاقد بطبيعة النظام، لكن المطلوب هو خفضه إلى أدنى حد ممكن.

ثالثًا: كيف نخفض الفاقد ونقلل كلفة النظام؟

أكبر خطوة عملية تؤثر مباشرة هي:

محاربة السرقات والاعتداءات على الشبكة.

لأن السرقات ترفع “الفاقد غير الفني”، وتزيد كلفة النظام الكهربائي على الجميع.

وعندما يتم تقليلها، تنخفض الكلفة العامة للنظام، وهذا ينعكس تدريجيًا على استقرار أسعار التعرفة وتخفيض أسعارها .

دليل عملي واضح: فاتورة شراء الكهرباء ترتفع شتاءً مثل فواتير المشتركين

وهناك دليل واقعي مهم يغلق باب الجدل:

في فصل الشتاء لا ترتفع فقط فواتير المشتركين، بل ترتفع أيضًا فاتورة شراء الكهرباء التي تشتريها شركات التوزيع من النظام الكهربائي بنسب متقاربة.

وهذا يؤكد أن ما يحدث في الشتاء هو ارتفاع أحمال واستهلاك حقيقي، وليس مسألة “تحميل فاقد” أو توزيعه على المواطنين.

كلمة أخيرة

المواطن الأردني اليوم لا يطلب رفاهية، ولا يبحث عن تبريرات؛

هو فقط يريد أن يفهم، وأن يطمئن، وأن يشعر بأن الأمور محسوبة بعدالة ووضوح.

لذلك تبقى الشفافية، والتوضيح، والحديث الصريح بلغة الناس… من أهم أدوات بناء الثقة وتخفيف حالة “الحيرة” التي يعيشها المواطن بين فاتورة المياه وفاتورة الكهرباء.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/22 الساعة 13:48