من شمال الزرقاء إلى مطار الملكة علياء.. تفاصيل سكة القطار الخفيف في الأردن

مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/22 الساعة 11:41
مدار الساعة - في خطوة استراتيجية تعيد رسم ملامح النقل العام في الأردن، وتدمج بين عبق التاريخ ومتطلبات الحداثة، كشفت وزارة الاستثمار عن مشروع طموح طال انتظاره، يتمثل في "إعادة تأهيل سكة حديد الحجاز" لتحويلها إلى مسار لقطار خفيف (Light Rail Transit - LRT).

هذا المشروع، الذي يأتي ضمن حزمة الفرص الاستثمارية الكبرى، يهدف إلى ربط الكثافة السّكانية في محافظة الزرقاء بقلب العاصمة عمان، وصولا إلى البوابة الجوية للمملكة في مطار الملكة علياء الدولي، عبر شريان حديديّ يمتدّ بطول 60 كيلومترا.

ويأتي هذا الإعلان ليتوج سلسلة من المخططات الحكومية الرامية إلى حل معضلة النقل في الأردن، مقدما حلا مستداما يعتمد على استغلال الأصول الموجودة (حرم السكة الحديدية)؛ لتقليل كلف الاستملاكات وتسريع وتيرة الإنجاز.

تفاصيل المشروع: المسار والمواصفات الفنية

وفقا للبيانات التي حصل عليها موقع "رؤيا أخبار"، فإن المشروع المقترح لا يهدف إلى إنشاء سكة حديد من العدم، بل يعتمد فكرة ذكية استثماريا وهندسيا، وهي "إعادة تأهيل" مسار سكة الحديد الحجازي الأردني التاريخي:

1. المسار الاستراتيجيّ (60 كم): يبدأ مسار القطار الخفيف (LRT) من "شمال الزرقاء"، وهي المنطقة التي تشهد توسّعا عمرانيا وكثافة سكانية عالية، مرورا بمدينة الزرقاء التي تعدّ العاصمة الصناعية وعصب العمالة في المملكة.

ويواصل القطار مسيره مخترقا أحياء شرق عمان (حيث يقع مسار السكة التاريخيّ)، ليخدم مناطق مكتظة ظلت لسنوات تعاني من ضعف خدمات النقل العام المنظم، وصولا في نهاية المطاف إلى مطار الملكة علياء الدولي جنوب العاصمة.

2. السّرعة والنمط التشغيليّ: حددت السّرعة التشغيلية المتوقعة للقطار بـ 60 كم/ساعة، ورغم أن هذه السّرعة قد تبدو متواضعة مقارنة بالقطارات فائقة السّرعة، إلا أنها تعدّ المعيار القياسي والأنسب لمنظومة "القطار الخفيف" (LRT) المخصص للمناطق الحضرية والمكتظة.

فهذا النمط من القطارات مصمم ليكون "خدميا" بامتياز، مع توقّفات متكررة لخدمة أكبر عدد من الأحياء والتجمّعات السّكانية على طول المسار؛ مما يجعله أشبه بـ "مترو سطحيّ" يربط المدن ببعضها البعض بانسيابية، بدلا من كونه قطار سفر سريع بين المحافظات البعيدة.

إحياء "الخط الحجازي": استثمار التاريخ للمستقبل

يحمل هذا المشروع بعدا رمزيا واقتصاديا هاما يتمثل في إحياء "الخط الحجازي". فبدلا من أن يبقى هذا الإرث التاريخيّ مجرد معلم سياحيّ أو مسار لرحلات محدودة، سيتمّ تحويل حرم السكة إلى مشروع تنمويّ حيويّ.

ومن الناحية الاستثمارية، يعدّ استخدام "حرم السكة" القائم (Right of Way) ميزة تنافسية كبرى لهذا المشروع؛ إذ سيوفر على المستثمر والدولة مبالغ طائلة كانت ستصرف على استملاكات الأراضي، كما سيجنب المشروع المعيقات القانونية والاجتماعية التي عادة ما تواجه شق طرق أو مسارات جديدة في مناطق مأهولة كالزرقاء وشرق عمان.

التكامل مع منظومة النقل (الباص السريع)

لا يمكن قراءة هذا المشروع بمعزل عن مشروع "الباص سريع التردّد" (BRT) الذي يربط عمان بالزرقاء أيضا. إذ ينظر إلى مشروع القطار الخفيف (LRT) بوصفه "المكمل" و"الرديف" وليس المنافس.

فبينما يخدم الباص السريع المحور الأوسط (طريق الأوتوستراد)، سيخدم القطار الخفيف المحور الشرقي ومناطق لا يغطيها الباص السريع، مما يخلق شبكة نقل متكاملة. كما أن وصول القطار إلى المطار سيوفر، لأول مرة في تاريخ المملكة، ربطا مباشرا بالسكك الحديدية بين المطار ووسط المدن؛ مما يسهل حركة السياح والمسافرين ويقلل من كلف التنقّل من وإلى المطار.

الأهداف التنموية والاقتصادية

تطرح وزارة الاستثمار هذا المشروع كفرصة استثمارية واعدة للقطاع الخاص (محلية أو دولية)، نظرا للعوائد المتوقعة والأهداف التي يحققها:

تخفيف الضغط المروري: سيساهم القطار في سحب آلاف السيارات من الشوارع التي تربط الزرقاء بعمان وطريق المطار، مما يقلل من الازدحامات الخانقة والحوادث المرورية.

الأثر البيئيّ: يعتمد القطار الخفيف عادة على الطاقة الكهربائية؛ مما يجعله وسيلة نقل صديقة للبيئة، تساهم في خفض الانبعاثات الكربونية مقارنة بالسيارات والحافلات التقليدية.

تنمية شرق عمان والزرقاء: سيعمل المشروع على رفع قيمة الأراضي والعقارات في المناطق التي يمرّ بها، وسيحفز النشاط التجاري حول المحطات المقترحة؛ مما يخلق بؤرا تنموية جديدة في مناطق شرق عمان وشمال الزرقاء.

خدمة المطار: توفير وسيلة نقل منتظمة، آمنة، ومحددة التوقيت من وإلى المطار سيعزز من تنافسية مطار الملكة علياء ومكانة الأردن السياحية.

يمثل مشروع القطار الخفيف (LRT) لإعادة تأهيل سكة حديد الحجاز خطوة جريئة نحو المستقبل. إنه مشروع يتجاوز فكرة "النقل" ليصبح مشروعا تنمويا شاملا يعيد الاعتبار لمناطق جغرافية واسعة، ويوفر بديلا حضاريا للمواطنين.

وبانتظار دخول الشّركاء الاستراتيجيين والبدء في التنفيذ، يبقى هذا المشروع أحد أبرز العناوين في رؤية التحديث الاقتصادي للأردن للسنوات المقبلة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/22 الساعة 11:41