الوريكات يكتب: عصر السياسة العارية، كيف يعيد ترامب صياغة العالم؟

عبد المنعم الوريكات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/22 الساعة 10:23
لم يكن دونالد ترامب مجرد رئيس صاخب في تصريحاته، أو ظاهرة عابرة في التاريخ الأمريكي، بل كان اللحظة التي قررت فيها القوة العظمى أن تتخلى عن "ثياب" الدبلوماسية الليبرالية والمجاملات الدولية التي غطت المصالح الحقيقية لعقود، لقد دشن ترامب عصر "السياسة العارية" التي تمارس القوة دون وعود أخلاقية، وتدير المصالح بلا أقنعة أيديولوجية، وتواجه الحقائق كما هي، بدون أي مجاملات

ما يبدو على السطح فوضى سياسية أو ارتجالاً، ليس في جوهره كذلك، فالتاريخ السياسي لا يُقرأ من خلال الضجيج، بل من خلال ترابط القرارات وتوقيت الصدمات، ومن هذه الزاوية، نفهم كيف يحاول ترامب أن يعيد صياغة قواعد اللعبة مع الحلفاء والخصوم على حد سواء

منذ وصوله إلى البيت الأبيض، أظهر ترامب عِداءً واضحاً للنظام الليبرالي الدولي الذي قادته واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية، لم يؤمن بالناتو كمؤسسة مقدسة، ولا بمنظمة التجارة كحكم عادل، ولا يكترث حتى بمجلس الأمن، فهو يُفضّل العلاقات الثنائية القائمة على "الابتزاز الناعم" حماية مقابل مال، ودعم مقابل ولاء، حيثُ الهدف لم يكن مجرد "عظمة أمريكا" بل تحرير القرار الأمريكي من أي التزام مؤسسي يعيق حركتها الأنانية

أمّا الدعم غير المسبوق للكيان غي جميع المجالات من القدس إلى الجولان، لم يكن نابعاً من إيمان أيديولوجي، بل من حسابات داخلية بحتة لإرضاء القواعد الانتخابية، ترامب ينظر إلى نتنياهو كحليف ظرفي في مواجهة إيران والديمقراطيين، واليوم، يدرك الكيان أن ربط أمنها الاستراتيجي بشخص واحد بدلاً من الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكية، جعلها عرضة لتقلبات "السياسة العارية" التي لا تعترف بالصداقات الدائمة، بل بالصفقات المربحة

سياسة ترامب تجاه المنطقة كانت صريحة لدرجة القسوة، خالية من أي عاطفة، لا شراكة بلا مقابل مباشر، ولا حماية مجانية، فمشاريع التطبيع لم تكن مسار سلام تقليدي، بل إعادة هندسة للمنطقة تخدم ثلاثية واضحة دون تردد، أمن الكيان، الاقتصاد الأمريكي، وإدارة الصراع مع إيران دون كلفة الحروب الشاملة، وتم تناسي القضية الفلسطينية عمداً من هذا المسار لتتحول إلى ملف "مؤجل" في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء

في مواجهة "الدولة العميقة" والند الدولي، كانت أخطر ما في تجربة ترامب، حيث كان صدامه مع الاحتياطي الفدرالي، محاولاً كسر استقلالية السياسة النقدية لإخضاعها لأهدافه الاقتصادية القصيرة المدى، أما مع الصين، فقد كسر وهم "التعايش السلس" محولاً التكنولوجيا وسلاسل التوريد إلى أدوات حرب بدل السلاح، ومنذ تلك اللحظة، دخل العالم مرحلة الانقسام الاستراتيجي الذي لا يمكن الرجوع عنه

لم يرَ ترامب في روسيا عدواً وجودياً، بل لاعباً يمكن استخدامه لإرباك "القارة العجوز" أو فصلها عن الصين، وفي المقابل، كانت أوروبا الخاسر الأكبر، إذ تعمد إضعاف ثقتها بالناتو ومنعها من التحول إلى مركز قرار مستقل، لتظل تابعة للمظلة الأمريكية، ولكن بكلفة أعلى وشروط أصعب

ما قدّمه ترامب لم يكن مشروعاً بديلاً، بل عملية تفكيك بطيئة للنظام القديم، هو "كاشف للنظام" عرّى هشاشته وفضح نفاق المؤسسات الدولية، وسواء عاد ترامب إلى السلطة أم لا، فإن العالم الذي عرفناه قبل 2016 قد ولى إلى غير رجعة، وأصبحنا اليوم نعيش في عالم أقل استقراراً، أكثر صراحة، وأكثر قسوة في عالم، حيث لا مكان للأقنعة، وحيث تُباع الحماية وتُشترى المواقف في سوق دولي لا يرحم الضعفاء

وهنا يقف سؤالي الحائر؛

أين يقف العرب أمام هذا الواقع، حيث لم تعد لغة المناشدات التاريخية تجدي نفعاً، وهنا يجب التحول من "الدفاع" إلى المناورة السياسة للحصول على حق تنويع الخيارات بين الشرق والغرب دون حرج، وبناء كتلة مصالح إقليمية قادرة على التفاوض مع واشنطن كشريك لا كتابع.

في الأردن الذي يقع في قلب العاصفة، فإن الاستفادة من هذا العصر تتطلب ذكاءً استثنائياً في تحويل "الجغرافيا" إلى "أصل استثماري" فهو يمتلك ورقة "الاستقرار" وهي السلعة الأغلى في عقلية ترامب البراغماتية

الأردن اليوم مدعو لتقييم دوره كـ "صمام أمان" إقليم، فإذا كان ترامب يكره كلفة الحروب والاضطرابات، فإن استقرار الأردن هو الضمانة الأجدر لأمن المنطقة، والاستفادة الأردنية تكمن في تحويل "الجغرافيا السياسية" من عبء أمني إلى "أصل استثماري" ومركز لوجستي لا غنى عنه في أي تسويات أو مشاريع مستقبلية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/22 الساعة 10:23