من دفتر ذكرياتي مع ابي

بلال حسن التل
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/21 الساعة 22:19
لا اكاد أصدق ان ربع قرن مر على انتقل ابي الى الدار الآخرة، فهل ذلك بسبب ان ذكرياتي معه لم تغب عن بالي يوما، لذلك اخاله معي يوميا. فقد كنت لصيقا به، وكان حريصا على تربيتي واعدادي وتدريبي منذ سنوات صبايا الأولى، ففي تلك السنوات المبكرة من عمري لم يكن يكتفي بتزويدي بالكتب والصحف والمجلات التي اقرأها، بل كان يصحيني الى منتديات الفكر والثقافة، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر انه رحمه الله كان خلال شهر رمضان من كل عام من اعوام نهايات عقد الخمسينيات وبداية عقد الستينيات من القرن الماضي يلقي دروسا دينية في مساجد محافظة اربد بعد صلاة العصر من كل يوم، فكان يصحبني في تلك الدروس، واتذكر انه خصص دروس إحدى السنوات لدراسة سيرة صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث كنت احمل معه دفتر ملاحظاته والخطوط العريضة لكل درس من تلك الدروس مكتوبة باللون الأخضر وبحط يده المنمنم،واذكر فيما اذكر انه تناول سيرة ابا ذر الغفاري في مسجد مخيم اربد للاجئين ، وتحدث عن سلمان الفارسي في مسجد اربد الغربي. وهي دروس رسخ الكثير من معلوماتها في ذهني انا الصبي حينها.

ومن النشاطات الثقافية التي اصطحبني اليها وانا في مرحلة الصبا، الموسم الثقافي الذي نظمه النادي العربي في اربد بعد هزيمة حزيران لتحليل أسباب الهزيمة وممن القوا محاضرات في هذا الموسم الذي اقيم في قاعة تانوية اربد للبنين، الشهيد وصفي التل، والشريف فواز شرف والمرحوم أكرم زعيتر، وصادق جلال العظم.

ومن ذكريات الصبا ان والدي رحمه الله عندما اطلع على دفتري لحصة الإنشاء سألني بضعة اسئلة عن مضامين الدفتر، ليفاحئني بعد ايام بانه اختار قطعتين من الدفتر ونشرهما كمقالين الاول في جريدة الدستور التي كان يرأس تحريرها الاستاذ حمعة حماد، والثاني في جريدة الشهاب اللبنانية النصف شهرية وكان يراس تحريرها الاستاذ ابراهيم المصري. وكان ذلك بداية طريقي في عالم الكتابة والنشر وكنت وقتها في المرحلة الدراسية الاعدادية، كل ذلك بفضل ابي رحمه الله.

اما علاقتي بالصحافة كمهنة فقد بدأت وانا في المرحلة الثانوية، عندما كلفني والدي رحمه الله ان اذهب بصحبة المرحوم الحاج محمود سعيد لانهاء إجراءات شراء تصف امتياز جريدة الصباح التي كان يمتلكها الاستاذ كمال الكيلاني، وقد كان وكان معه انني بدأت اجمع بين الدراسة واحتراف الصحافة.

بعد تجربة جريدة الصباح اصدر والدي صحيفة اللواء الاسبوعية، التي صدر عددها الأول في اذا عام1972ومع صدور اللواء بدأ تفرغي لمهنة المتاعب، وزاد التصاقي بوالدي فقد عشنا هو وانا وحيدين في عمان، وان كان رحمه الله يقضي اكثر من نصف ايام الاسبوع في اربد.

مع صدور جريدة اللواء اتسعت افاق المعرفة أمامي، فقد كلفني والدي رحمه الله بتغطية وقائع مؤتمر القمة الإسلامي في الذي عقد في العاصمة الباكستانية اسلام اباد عام 1974 وكنت بالعشرين من عمري، وهناك استمعت عن قرب للرئيس المصري انور السادات والسوري حافظ الاسد والبيبي معمر القذافي، وكان يراس وفد الاردن دولة المرحوم عبد المنعم الرفاعي يرافقه سماحة المرحوم عبدالله غوشة قاضي القضاة حينها، وكان تاح رحلتي تلك الى باكستان لقاء للمرتين مع العلامة ابو الاعلى المود دي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان الذي كانت شهرته تطبق الآفاق ومازالت. وكانت كتبه من اوائل الكتب التي قرأتها.

كانت مكاتب جريدة اللواء وحديقتها في جبل عمان منتدا ثقافيا شبه يومي، طالما شارك فيه ضيوف من خارج الاردن أمثال الشيخ الشعراوي، والشيخ المولوي من لبنان ، والاستاذ كمال الهلباوي الذي تعرفت عليه في مسجد ميونخ في المانيا، كما تعرفت في المانيا على الاستاذ عصام العطار، وممن زاروا اللواء الاستاذ عبد الحليم خفاحى الذي تعرفت عليه وعلى الاستاذ سمير الهضيبي في الكويت، وقد التقيت قيما بعد بالاستاذ مامون الهضيبي، وربطتني علاقة متينة بالاستاذ صلاح شادي، وممن تعلمت منهم الاستاذ الدكتور محمد احمد الشريف الامين العام لجمعية الدعوة الإسلامية، الذي قضينا والدي وانا معه الاسبوع قبل الأخير من حياة والدي في باريس للمشاركة في مؤتمر دولي عقد في منظمة اليونسكو، ثم افترقنا الوالد وانا في مطار الملكة علياء الدولي ليواصل هو رحلته في اليوم التالي الى طهران للمشاركة في ندوة دولية، انتقل اثنائها الى جوار ربه، بعد ان دربني واراحني عندما كانت اخر كلماته لي قبل ان نفترق أمام مطار الملكة علياء الدولي (لقد كنت ولد رضيا يابلال) ، اسأل الله ان اكون كما قال رحمه الله.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/21 الساعة 22:19