الحسبان يكتب: بيان ما قبل التفكيك.. السلام خارج الشرعية وبداية ما بعدها

فهد الحسبان
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/21 الساعة 21:36
في اللحظات التي يتآكل فيها النظام الدولي تحت وطأة عجزه، لا تولد الأفكار الخطرة بوصفها إعلان قطيعة، بل تتسلل متخفّية بلغة الإنقاذ. فكرة «مجلس السلام» تأتي من هذا الباب تحديدًا؛ لا كإصلاح لمسار أنهكته التناقضات، بل كقفزة فوقه، وكأن المشكلة لم تعد في أداء الأمم المتحدة، بل في وجودها ذاته. هنا يبدأ الخلل، لا في التشخيص، بل في الاستنتاج.

الأمم المتحدة، مهما بلغ عجزها، ليست مؤسسة يمكن شطبها ببيان سياسي أو استبدالها بهيكل انتقائي. هي الإطار الأخير الذي ما زال يمنح النزاعات معنى قانونيًا، ويضع للسلام تعريفًا يتجاوز موازين القوة. إقصاؤها لا يعني فقط تجاوز بيروقراطية متعبة، بل يعني تفكيك فكرة المسؤولية الجماعية، واستبدالها بمنطق الراعي، حيث يُدار السلام بوصفه ترتيبًا سياسيًا لا التزامًا دوليًا.

المقلق في «مجلس السلام» ليس لغته الناعمة عن الاستقرار وإعادة الإعمار، بل افتراضه الجوهري بأن الشرعية لم تعد تُستمد من القانون الدولي، بل من القدرة على الدعوة والتمويل والإدارة. مجلس لا ينبثق من توافق أممي واسع، ولا يخضع لمنظومة مساءلة دولية راسخة، ولا يملك أدوات إلزام قانونية، لكنه يطمح لإدارة أخطر ملفات العالم. في السياسة، هذا ليس تطويرًا للأدوات، بل إعادة تعريف لقواعد اللعبة.

الأخطر أن هذا النموذج يُعيد صياغة مفهوم السلام ذاته. فعندما تُدار النزاعات عبر مجلس استشاري محدود الخضوع للرقابة الدولية، يصبح الفشل بلا تبعات واضحة، والانحياز قابلًا للتبرير، وتتحول الشعوب المتضررة إلى أطراف غائبة عن صناعة القرار. هنا لا يعود السلام حقًا تُطالِب به الشعوب، بل مسارًا يُصاغ عنها وباسمها.

دبلوماسيًا، ما يُطرح لا يمكن قراءته كمبادرة تقنية، بل كمحاولة لإعادة مركزية إدارة الصراع العالمي حول قوة واحدة، ولكن دون الأعباء التي تفرضها المرجعية الأممية. وسياسيًا، نحن أمام سابقة تقول: إذا تعثّر النظام الدولي، فلنُنشئ مسارًا موازياً، نختار أطرافه، ونحدد شروطه، ونحتفظ بحق تعريف السلام داخله. هذه ليست معالجة للاختلال، بل التفاف عليه.

والأخطر من الفكرة ذاتها هو ما قد تنتجه لاحقًا. فقبول منطق المجالس الموازية يفتح الباب أمام تآكل تدريجي لفكرة النظام الدولي: اليوم مجلس سلام، وغدًا أطر شرعية بديلة، وبعده عالم تُدار فيه القضايا المصيرية عبر هياكل نخبوية متحركة، تتبدّل بتبدّل موازين القوة لا بثبات القواعد.

ووفق ما سُرّب من الميثاق، فإن جوهره يقوم على منح الرئيس المؤسس صلاحيات واسعة في دعوة الدول الأعضاء، تحديد شروط العضوية، تعيين القيادة، رسم الاستراتيجيات، وربط التمثيل بالمساهمة المالية، دون الارتكاز إلى منظومة إلزام قانوني دولي واضحة، وبتمثيل محصور برؤساء الدول والحكومات. سلام تُدار مساراته سياسيًا، بينما تبقى مساءلته محدودة.

وهنا، وبصوت من قرأ في سجلّ التاريخ لا في هوامش المواثيق، يمكن القول: كل سلام لا تحرسه الشرعية، يتحول إلى هدنة مؤقتة. كل سلطة لا تُقيَّد بالمساءلة، تميل إلى الوصاية. وكل نظام يُستبدل بدل أن يُصلَح، يعود على أصحابه أكثر هشاشة. احذروا السلام الذي يُدار من فوق، لأن ما يُبنى خارج الشرعية… قد يبدأ واعدًا، لكنه لا ينتهي آمنًا.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/21 الساعة 21:36