النجار يكتب: الرسوب المتكرر في فحص رخصة السياقة.. حين يتحوّل الإجراء إلى عبء اجتماعي

إياد عبد الفتاح النجار
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/20 الساعة 21:53
أصبح الرسوب المتكرر في فحص رخصة السياقة حديث شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما فئة الشباب، وأهاليهم الذين يرافقون أبناءهم في رحلة طويلة ومكلفة من التدريب والانتظار وإعادة الفحص، دون أن يفهموا في كثير من الأحيان أسباب الإخفاق المتكرر، رغم الجاهزية الفنية واجتياز مراحل التدريب المطلوبة.

ولم يعد هذا الأمر يُنظر إليه كحالة فردية أو ضعف مهارة لدى المتقدم فقط، بل تحوّل إلى ظاهرة تتكرر يوميًا، وتتراكم معها مشاعر الإحباط، واستنزاف الوقت والمال، وتراجع الثقة بعدالة الإجراء. فكثير من الممتحنين وأسرهم يشكون من تكرار الرسوب دون توضيح واضح، أو ملاحظات عملية تساعد المتقدم على تصويب أخطائه وتحسين أدائه.

المشكلة هنا لا تتعلق بهدف الفحص بحد ذاته، فسلامة الطرق أولوية وطنية لا خلاف عليها، وإنما تتعلق بطريقة إدارة الفحص، ومعايير التقييم، وكيفية إيصال النتيجة للمتقدم. فحين يُقال للممتحن إنه “راسب” دون شرح مفهوم، يتحول الفحص إلى تجربة غامضة، أقرب إلى الشعور بالحظ أو المزاجية، لا إلى اختبار مهني منظم.

ولا يمكن فصل هذا الواقع عن الإطار القانوني والإداري الناظم للخدمة العامة؛ فالقوانين والتعليمات التي تحكم الإجراءات الرسمية تقوم أساسًا على مبادئ الوضوح والعدالة وتكافؤ الفرص. كما أن الحوكمة الرشيدة تقتضي أن تكون القرارات الإدارية، ومنها نتائج فحص رخصة السياقة، مبنية على معايير معلنة وقابلة للفهم، بما يحدّ من الاجتهاد الفردي ويعزز ثقة المواطن بالإجراء. وعندما يغيب التفسير الواضح للرسوب، أو تتفاوت التقديرات دون مرجعية مفهومة، فإن ذلك لا ينعكس فقط على شعور المتقدم، بل يطرح تساؤلات حول سلامة التطبيق لا حول الهدف.

كما أن اختلاف نتائج الفحص بين متقدم وآخر، رغم تشابه مستوى التدريب والجاهزية، واختلاف طريقة التقييم من ممتحن لآخر، يخلق شعورًا واسعًا بعدم العدالة، ويدفع للتساؤل عمّا إذا كانت معايير الفحص تُطبّق بشكل موحّد، وهل يحصل جميع المتقدمين فعلًا على الفرصة نفسها لإثبات كفاءتهم.

ولا يمكن إغفال الأثر الاجتماعي والاقتصادي لهذه الظاهرة؛ فكل إعادة فحص تعني رسومًا إضافية، وانتظارًا أطول، وأعباء متراكمة على الأسرة، خاصة في ظل أوضاع معيشية صعبة، ما يجعل رخصة السياقة – وهي حاجة أساسية للكثيرين – عبئًا متزايدًا بدل أن تكون خدمة عامة ميسّرة. ويزداد هذا الأثر قسوة حين نعلم أن بعض المواطنين ينتظرون الحصول على رخصة السياقة لتكون وسيلة عمل ومصدر دخل، سواء في قطاعات النقل أو الخدمات أو العمل الحر، ما يعني أن الرسوب المتكرر لا يؤخر إجراءً إداريًا فحسب، بل يؤخر فرصة رزق ويعطّل دخلًا أسريًا محتملاً.

إن معالجة هذا الملف لا تتطلب تعقيدًا، بل خطوات عملية وبسيطة، من بينها:

توضيح معايير الفحص للمتقدمين قبل وأثناء الامتحان.

تقديم ملاحظات مختصرة وواضحة عند الرسوب تساعد على التحسين.

توحيد أسلوب التقييم قدر الإمكان للحد من الفروقات الفردية.

إتاحة مراجعة إضافية في حالات الرسوب المتكرر.

إن الاهتمام بهذه التفاصيل اليومية هو ما يصنع الفارق الحقيقي بين إجراء عادل يشعر به المواطن، وإجراء يتحول إلى مصدر ضغط وتذمر. وفحص رخصة السياقة، بما له من تماس مباشر مع حياة الناس، يستحق مراجعة جادة توازن بين متطلبات السلامة المرورية وحق المواطن في معاملة واضحة ومنصفة.

فالعدالة في الإجراءات ليست ترفًا إداريًا، بل شرط أساسي لبناء الثقة، وتحويل الخدمات العامة من عبء يثقل كاهل المواطنين إلى شراكة حقيقية بينهم وبين مؤسسات الدولة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/20 الساعة 21:53