خبيرة زلازل: الهزات في المنطقة 'تنفّس طبيعي للقشرة الأرضية' ولا تدعو للقلق
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/20 الساعة 20:57
مدار الساعة - رولا عبدالله (النهار) -
تشرح عامر أن الصفيحة الأفريقية تتحرك شمالاً باتجاه الصفيحة الأوراسية، ما يؤدي إلى انغماسها تحتها في مناطق محددة، مكوّنة الحزام الهيليني المعروف بنشاطه الزلزالي قرب اليونان. في الوقت نفسه، تتحرك الصفيحة العربية شمالاً أيضاً، ويحدّها غرباً فالق البحر الميت التحويلي، وهو فالق انزلاقي جانبي يمتد من جنوب تركيا مروراً بسوريا ولبنان وفلسطين وصولاً إلى خليج العقبة والبحر الأحمر. وتتداخل مع هذه المنظومة فوالق أخرى، أبرزها فالق شرق الأناضول والقوس القبرصي، ما يجعل توزيع الإجهاد الزلزالي في شرق المتوسط غير متجانس ومعقّداً.
هذا التعقيد، بحسب عامر، لا يعني أن المنطقة "على وشك الانفجار"، بل يفسّر سبب كونها نشطة زلزالياً بشكل طبيعي ومستمر. من هنا، تحذّر من محاولات الربط السريع بين زلازل تقع في اليونان أو بحر إيجه والهزات التي يشعر بها سكان لبنان وسوريا. علمياً، لا آلية فيزيائية معتبرة تسمح بالقول إن زلزالاً بعيداً مئات الكيلومترات يمكن أن ينذر بزلزال قريب في المشرق على المدى القصير. صحيح أن ما يُعرف بنقل إجهاد كولوم يحدث بعد كل زلزال، لكن تأثيره يتلاشى بسرعة مع المسافة، ولا يصل إلى عتبة التحفيز القادرة على تشغيل فوالق بعيدة.
في قلب المشهد الزلزالي المحلي، يبرز فالق البحر الميت بوصفه المحرّك الأساسي للنشاط في لبنان وسوريا. يمتد هذا الفالق لنحو ألف كيلومتر، وسجله التاريخي حافل بزلازل كبرى تفصل بينها فترات هدوء طويلة. في وادي الأردن، وقع آخر حدث ضخم عام 1033، وفي قطاع اليمونة في لبنان سجّل زلزال مدمّر عام 1202 تُقدَّر قوته بنحو 7.5، فيما تحرّك صدع سرغايا عام 1759. وتشير دراسات الزلازل التاريخية إلى أن الزلازل الكبرى على هذا الفالق تتكرر كل 800 إلى 1000 عام تقريباً في القطاع الواحد، مع نطاق زمني أوسع قد يصل إلى 1400 سنة.
من هنا، تميّز عامر بين الحقيقة العلمية والتهويل. فإحصائياً، دخلت بعض قطاعات الفالق، مثل اليمونة ومصياف، مرحلة "النضج الزلزالي" لأنها تجاوزت مدة التكرار المتوسطة، لكن هذا لا يعني أبداً أن زلزالاً مدمّراً بات وشيكاً أو أن موعده يمكن تحديده. العلم، كما تشدّد، لا يتحدث عن أيام أو أشهر، بل عن نوافذ زمنية تمتد لعقود.
أما الهزات الصغيرة التي شعر بها سكان بيروت والساحل السوري في كانون الثاني 2026، والتي تراوحت قوتها بين 3.3 و4 درجات، فتصفها عامر بأنها جزء من "التنفّس الطبيعي للقشرة الأرضية". هذه الهزات ناتجة من صدوع فرعية تابعة لنظام فالق البحر الميت، وتمثل تفريغاً موضعياً بسيطاً للطاقة، وهي غير كافية لتغيير حالة الإجهاد على الفالق الرئيسي أو التسبّب بزلزال مدمّر. ربطها بزلازل كبيرة وشيكة، كما يُروَّج على مواقع التواصل، يفتقر إلى أي نمذجة رياضية أو فيزيائية معتمدة في علم الزلازل.
ويؤكد السجل التاريخي للمنطقة هذه القراءة. زلازل دمشق عام 847، وحلب عام 1822، وأنطاكيا عام 1872، إضافة إلى زلزال لبنان عام 1956، كلها أحداث كبرى مرتبطة بفالق البحر الميت أو الأنظمة المتصلة به، وتدل إلى أن الزلازل الكبيرة دورية على مقياس قرون، وليست نتيجة "عدوى زلزالية" آنية من مناطق بعيدة.
ورغم التقدم الهائل في علم الزلازل، لا يزال التنبؤ الدقيق – زماناً ومكاناً وقوة – غير ممكن. تعزو عامر ذلك إلى تعقيد بنية القشرة الأرضية، والسلوك غير الخطي للفوالق، ومحدودية البيانات التاريخية، إضافة إلى مبدأ عدم اليقين في النماذج الفيزيائية. حتى في اليابان، حيث تُعد أنظمة الرصد من الأكثر تطوراً في العالم، يقتصر الأمر على إنذار مبكر لثوانٍ أو عشرات الثواني بعد بدء الزلزال، لا قبله.
اليوم، تلعب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي دوراً متقدّماً في تمييز الإشارات الزلزالية الدقيقة عن الضجيج، وفي تشغيل شبكات إنذار مبكر تعتمد على الموجات الأولية. هذه الأدوات، بحسب عامر، تقلل الخسائر وتنقذ الأرواح، لكنها لا تغيّر الحقيقة الأساسية: لا تنبؤ مسبقاً بالزلازل.
في مواجهة الخوف، تدعو عامر إلى تحويل القلق إلى وعي. على مستوى الدول، عبر تشييد أبنية مقاومة للزلازل، وتكثيف التوعية المجتمعية، وتطوير أنظمة إنذار مرتبطة بشبكات الاتصالات. وعلى مستوى الأفراد، عبر الاستعداد الواقعي، وخطط الإخلاء، وحقائب الطوارئ، ومعرفة كيفية التصرّف أثناء الهزات. أما النصيحة الأهم، فهي تجاهل المنجّمين ومروّجي التنبؤات الزائفة، لأنهم – كما تقول – لا يفعلون شيئاً سوى نشر الذعر في منطقة تحتاج إلى معرفة علمية لا إلى نبوءات.
تختم عامر: "الزلازل، في النهاية، جزء من طبيعة منطقتنا الجيولوجية. لا يستطيع العلم إلغاءها أو التنبؤ بها بدقة، لكنه يمنحنا ما هو أثمن: الفهم، والاستعداد، والقدرة على التعايش بأقل الخسائر الممكنة".
في كل مرة تهتزّ فيها الأرض تحت لبنان أو على الساحل السوري، يعود القلق إلى الواجهة، وتغرق مواقع التواصل الاجتماعي بسيل من التوقعات والتأويلات التي تتراوح بين "الزلزال الكبير بات قريباً" و"سلسلة هزات تمهّد لكارثة وشيكة". هذا القلق مفهوم في منطقة عرفت تاريخاً طويلاً مع الزلازل، لكن، كما توضح خبيرة الجيوفيزياء وعلم الزلازل د. رشا عامر، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الهزات نفسها بقدر ما يكمن في تضليل الناس علمياً.
تؤكد عامر، الحاصلة على دكتوراه في علم الزلازل من جامعة هيروشيما والعاملة حالياً في معهد أبحاث التكنولوجيا المبتكرة للأرض في كيوتو، أن ما نشهده اليوم في شرق البحر الأبيض المتوسط ليس حدثاً استثنائياً ولا مؤشراً طارئاً. فالمنطقة، من اليونان إلى بلاد الشام، تقع ضمن واحدة من أكثر البيئات الجيولوجية تعقيداً ونشاطاً في العالم، نتيجة تفاعل صفائح تكتونية كبرى تتحرك منذ ملايين السنين.
تؤكد عامر، الحاصلة على دكتوراه في علم الزلازل من جامعة هيروشيما والعاملة حالياً في معهد أبحاث التكنولوجيا المبتكرة للأرض في كيوتو، أن ما نشهده اليوم في شرق البحر الأبيض المتوسط ليس حدثاً استثنائياً ولا مؤشراً طارئاً. فالمنطقة، من اليونان إلى بلاد الشام، تقع ضمن واحدة من أكثر البيئات الجيولوجية تعقيداً ونشاطاً في العالم، نتيجة تفاعل صفائح تكتونية كبرى تتحرك منذ ملايين السنين.
تشرح عامر أن الصفيحة الأفريقية تتحرك شمالاً باتجاه الصفيحة الأوراسية، ما يؤدي إلى انغماسها تحتها في مناطق محددة، مكوّنة الحزام الهيليني المعروف بنشاطه الزلزالي قرب اليونان. في الوقت نفسه، تتحرك الصفيحة العربية شمالاً أيضاً، ويحدّها غرباً فالق البحر الميت التحويلي، وهو فالق انزلاقي جانبي يمتد من جنوب تركيا مروراً بسوريا ولبنان وفلسطين وصولاً إلى خليج العقبة والبحر الأحمر. وتتداخل مع هذه المنظومة فوالق أخرى، أبرزها فالق شرق الأناضول والقوس القبرصي، ما يجعل توزيع الإجهاد الزلزالي في شرق المتوسط غير متجانس ومعقّداً.
هذا التعقيد، بحسب عامر، لا يعني أن المنطقة "على وشك الانفجار"، بل يفسّر سبب كونها نشطة زلزالياً بشكل طبيعي ومستمر. من هنا، تحذّر من محاولات الربط السريع بين زلازل تقع في اليونان أو بحر إيجه والهزات التي يشعر بها سكان لبنان وسوريا. علمياً، لا آلية فيزيائية معتبرة تسمح بالقول إن زلزالاً بعيداً مئات الكيلومترات يمكن أن ينذر بزلزال قريب في المشرق على المدى القصير. صحيح أن ما يُعرف بنقل إجهاد كولوم يحدث بعد كل زلزال، لكن تأثيره يتلاشى بسرعة مع المسافة، ولا يصل إلى عتبة التحفيز القادرة على تشغيل فوالق بعيدة.
في قلب المشهد الزلزالي المحلي، يبرز فالق البحر الميت بوصفه المحرّك الأساسي للنشاط في لبنان وسوريا. يمتد هذا الفالق لنحو ألف كيلومتر، وسجله التاريخي حافل بزلازل كبرى تفصل بينها فترات هدوء طويلة. في وادي الأردن، وقع آخر حدث ضخم عام 1033، وفي قطاع اليمونة في لبنان سجّل زلزال مدمّر عام 1202 تُقدَّر قوته بنحو 7.5، فيما تحرّك صدع سرغايا عام 1759. وتشير دراسات الزلازل التاريخية إلى أن الزلازل الكبرى على هذا الفالق تتكرر كل 800 إلى 1000 عام تقريباً في القطاع الواحد، مع نطاق زمني أوسع قد يصل إلى 1400 سنة.
من هنا، تميّز عامر بين الحقيقة العلمية والتهويل. فإحصائياً، دخلت بعض قطاعات الفالق، مثل اليمونة ومصياف، مرحلة "النضج الزلزالي" لأنها تجاوزت مدة التكرار المتوسطة، لكن هذا لا يعني أبداً أن زلزالاً مدمّراً بات وشيكاً أو أن موعده يمكن تحديده. العلم، كما تشدّد، لا يتحدث عن أيام أو أشهر، بل عن نوافذ زمنية تمتد لعقود.
أما الهزات الصغيرة التي شعر بها سكان بيروت والساحل السوري في كانون الثاني 2026، والتي تراوحت قوتها بين 3.3 و4 درجات، فتصفها عامر بأنها جزء من "التنفّس الطبيعي للقشرة الأرضية". هذه الهزات ناتجة من صدوع فرعية تابعة لنظام فالق البحر الميت، وتمثل تفريغاً موضعياً بسيطاً للطاقة، وهي غير كافية لتغيير حالة الإجهاد على الفالق الرئيسي أو التسبّب بزلزال مدمّر. ربطها بزلازل كبيرة وشيكة، كما يُروَّج على مواقع التواصل، يفتقر إلى أي نمذجة رياضية أو فيزيائية معتمدة في علم الزلازل.
ويؤكد السجل التاريخي للمنطقة هذه القراءة. زلازل دمشق عام 847، وحلب عام 1822، وأنطاكيا عام 1872، إضافة إلى زلزال لبنان عام 1956، كلها أحداث كبرى مرتبطة بفالق البحر الميت أو الأنظمة المتصلة به، وتدل إلى أن الزلازل الكبيرة دورية على مقياس قرون، وليست نتيجة "عدوى زلزالية" آنية من مناطق بعيدة.
ورغم التقدم الهائل في علم الزلازل، لا يزال التنبؤ الدقيق – زماناً ومكاناً وقوة – غير ممكن. تعزو عامر ذلك إلى تعقيد بنية القشرة الأرضية، والسلوك غير الخطي للفوالق، ومحدودية البيانات التاريخية، إضافة إلى مبدأ عدم اليقين في النماذج الفيزيائية. حتى في اليابان، حيث تُعد أنظمة الرصد من الأكثر تطوراً في العالم، يقتصر الأمر على إنذار مبكر لثوانٍ أو عشرات الثواني بعد بدء الزلزال، لا قبله.
اليوم، تلعب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي دوراً متقدّماً في تمييز الإشارات الزلزالية الدقيقة عن الضجيج، وفي تشغيل شبكات إنذار مبكر تعتمد على الموجات الأولية. هذه الأدوات، بحسب عامر، تقلل الخسائر وتنقذ الأرواح، لكنها لا تغيّر الحقيقة الأساسية: لا تنبؤ مسبقاً بالزلازل.
في مواجهة الخوف، تدعو عامر إلى تحويل القلق إلى وعي. على مستوى الدول، عبر تشييد أبنية مقاومة للزلازل، وتكثيف التوعية المجتمعية، وتطوير أنظمة إنذار مرتبطة بشبكات الاتصالات. وعلى مستوى الأفراد، عبر الاستعداد الواقعي، وخطط الإخلاء، وحقائب الطوارئ، ومعرفة كيفية التصرّف أثناء الهزات. أما النصيحة الأهم، فهي تجاهل المنجّمين ومروّجي التنبؤات الزائفة، لأنهم – كما تقول – لا يفعلون شيئاً سوى نشر الذعر في منطقة تحتاج إلى معرفة علمية لا إلى نبوءات.
تختم عامر: "الزلازل، في النهاية، جزء من طبيعة منطقتنا الجيولوجية. لا يستطيع العلم إلغاءها أو التنبؤ بها بدقة، لكنه يمنحنا ما هو أثمن: الفهم، والاستعداد، والقدرة على التعايش بأقل الخسائر الممكنة".
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/20 الساعة 20:57