أبعاد التوجه الأردني القطري نحو بعضهما في هذا التوقيت

مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/19 الساعة 02:21
مدار الساعة - إيمان الفارس (الغد) - تشهد العلاقات الأردنية – القطرية مرحلة مفصلية تتسم بتحولات إستراتيجية على أكثر من صعيد، بعد انعقاد الدورة الخامسة للجنة العليا المشتركة وتوقيع مذكرات تفاهم وبرامج تنفيذية جديدة.

فالحراك الأردني – القطري الحالي، يضع العلاقة على مسار أكثر نضجا وواقعية، يعكس فهم الطرفين لأهمية التوازن بين المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية، ويؤكد أن نجاح الشراكة لن يقاس بعدد الاتفاقيات أو البيانات، بل بقدرتها على تحقيق أثر ملموس في حياة الناس، وتعزيز مكانة الدولتين كلاعبين مسؤولين في إقليم يتسم بالتحديات والأزمات المستمرة.

وأكد الخبراء، في تصريحات لـ"الغد"، أن العلاقات الأردنية – القطرية شكلت عبر السنوات الماضية امتدادا تاريخيا عميقا، يقوم على ثقة متبادلة وتجارب ناجحة في مجالات متعددة، بما في ذلك الكفاءات الاقتصادية والقضائية، حيث لعبت الخبرات الأردنية دورا محوريا في دعم بنية الاستثمار والتطوير القطرية.

وهذه الخلفية التاريخية منحت العلاقة مصداقية وقوة دفع نحو التعاون طويل الأمد، بحيث تجاوزت المبادلات التقليدية لتصبح شراكات إستراتيجية متكاملة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أشارت تقديرات الخبراء إلى أن توقيع مذكرات التفاهم والبرامج التنفيذية، يعكس رغبة واضحة في توظيف الاستثمارات القطرية لدعم الاقتصاد الأردني وتحفيز القطاعات الحيوية مثل التشغيل والطاقة والنقل والتعليم والسياحة العلاجية.

أما على الصعيد السياسي والإقليمي، فأتاح هذا الحراك، وفق الخبراء، تعزيز التنسيق بين البلدين في ملفات دقيقة مثل سورية وقطاع غزة، بما يعكس تقاربا في الرؤى والمواقف.

روابط أخوة

وفي قراءة دلالات انعقاد الدورة الخامسة للجنة العليا الأردنية القطرية المشتركة وتوقيع مذكرات تفاهم وبرامج تنفيذية جديدة، أكد الخبير العسكري والإستراتيجي د. نضال أبو زيد، أن هذا الحراك عكس طبيعة العلاقات الخاصة التي تربط الأردن بقطر.

وقال أبو زيد إن هذه العلاقات تجاوزت الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية، مضيفا إن "العلاقات الأردنية القطرية علاقات مميزة وتربط الأردن بقطر برابط يتجاوز رابط الأشقاء إلى رابط الأخوة".

وأشار إلى أن جلالة الملك عبدالله الثاني كان أكد في أكثر من مناسبة أن "الأردن لها علاقات أخوة مع قطر"، موضحا أن هذا العمق في العلاقات لم يكن محصورا في مستوى الدول فقط، بل شمل مستوى القيادتين.

وبين أن "العلاقة التي تحكم بين جلالة الملك مع الأمير القطري الشيخ تميم علاقة صداقة وعلاقة خاصة"، معتبرا أن هذه العلاقة الخاصة شكلت قاعدة سياسية صلبة ساعدت على تعزيز الثقة والانتقال بالعلاقات الثنائية نحو مسارات أكثر تقدما وتأثيرا.

وفي تحليله لأبعاد التوجه الأردني نحو قطر في هذا التوقيت، قال أبو زيد إن "انطلاق الأردن باتجاه المسار القطري يندرج في إطار تنويع الخيارات الدبلوماسية للأردن وعدم حصرها في خيار دبلوماسي واحد"، لا سيما أن قطر، بحسب تعبيره، "تعتبر كتلة اقتصادية ضخمة وكبيرة ومن الدول الغنية".

وأكد أن هذا التوجه جاء استجابة لحاجة الأردن إلى توسيع شراكاته الاقتصادية والاستفادة من الفرص المتاحة، مبينا أن مذكرات التفاهم التي وقعت بين الجانبين فتحت المجال أمام توظيف الاستثمارات القطرية في دعم الاقتصاد الأردني.

وفي السياق السياسي، لفت أبو زيد إلى أن الحراك الاقتصادي في هذا التوقيت حمل دلالات سياسية واضحة، موضحا أن "الحراك الاقتصادي بين الطرفين بهذا التوقيت بالذات أشار بكل وضوح إلى مدى قرب الرؤية الأردنية من الرؤية القطرية فيما يتعلق بالملف السوري، وفيما يتعلق بملف قطاع غزة". ورأى أن هذا التقارب في الرؤى شكل عاملا إضافيا دفع باتجاه تعزيز التعاون الثنائي.

وانطلاقا من هذا التقاطع، قال أبو زيد إن الأردن تحرك باتجاه توحيد الرؤية الاقتصادية بالتوازي مع توحيد الرؤية الدبلوماسية، موضحا أن "الأردن من منطلق توحيد الرؤية الدبلوماسية ذهب باتجاه توحيد الرؤية الاقتصادية أيضا في المؤتمر أو في القمة الأردنية القطرية التي عقدت ضمن بروتوكلات شراكة إستراتيجية بين الطرفين".

واعتبر أن هذه القمة جسدت انتقال العلاقات إلى مستوى أكثر نضجا وتنظيما.

وفيما يتعلق بالملف السوري، أكد الخبير العسكري والإستراتيجي أن الحراك الدبلوماسي الأردني باتجاه دمشق كان منسجما مع التوجه القطري، مضيفا إن "ما يقوم به الأردن أيضا من مسار وحراك دبلوماسيين باتجاه سورية ومحاولة لضمان أمنها واستقرارها تلاقى أيضا مع الفكر القطري الدبلوماسي بما يتعلق بالملف ذاته". وأوضح أن هذا التلاقي أسهم بزيادة التقارب الأردني القطري، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي.

رسائل دقيقة التوقيت

وحول قراءة انعقاد الدورة الخامسة للجنة العليا الأردنية القطرية المشتركة وما رافقها من توقيع مذكرات تفاهم وبرامج تنفيذية جديدة، أكد الخبير الأمني والإستراتيجي د. بشير الدعجة، أن هذا الحراك لم يكن حدثا بروتوكوليا تقليديا، بل جاء محملا برسائل سياسية واقتصادية دقيقة في توقيتها ومضمونها.

وقال الدعجة إن هذا التطور "لا يمكن عزله عن لحظة إقليمية شديدة الحساسية، ولا عن تحولات عميقة في مقاربة الدول لتحالفاتها الاقتصادية والسياسية"، معتبرا أن ما جرى عكس وعيا مشتركا بطبيعة المرحلة المقبلة.

وأضاف إن انعقاد اللجنة العليا المشتركة في هذا التوقيت عكس إدراكا مشتركا لدى عمان والدوحة بأن المنطقة كانت مقبلة على إعادة تموضع اقتصادي وسياسي في ظل ضغوط غير مسبوقة.

ولفت إلى أن هذه الميزة جعلت الأردن شريكا جاذبا لرأس المال السياسي والاقتصادي القطري، موضحا أن الاستثمارات في البيئة الإقليمية الحالية باتت تبحث عن "الاستقرار الذكي لا عن الأرباح السريعة فقط".

وقال إن "الدوحة راكمت خلال العقدين الماضيين خبرة اقتصادية واستثمارية عميقة وتحوّلت إلى فاعل رئيسي في مجالات الطاقة والبنية التحتية والخدمات"، مشيرا إلى أنها باتت تبحث عن شراكات طويلة الأمد لا عن مشاريع عابرة.

واعتبر أن التركيز على "مذكرات تفاهم تنفيذية لا بيانات نوايا عامة" عكس انتقال العلاقة إلى مستوى التخطيط المشترك وربط المصالح.

وفيما يرتبط بالانتقال من الإطار البروتوكولي إلى شراكات إستراتيجية أعمق، أوضح الخبير الأمني والإستراتيجي أن هذا التحول تجلى في طبيعة الملفات المطروحة لا في عدد الاتفاقيات.

ولفت إلى أن التجربة السابقة في التعاون الأردني القطري في ملف تشغيل الأردنيين "أثبتت أن التنسيق المنظم قادر على تحويل العلاقات السياسية إلى أثر اجتماعي مباشر"، معتبرا أن المرحلة الجديدة سعت إلى تعزيز هذا النهج ضمن أطر أكثر استدامة.

وعلى الصعيد السياسي والأمني، رأى الدعجة أن هذا الحراك حمل أهمية لا تقل عن بعده الاقتصادي، مؤكدا أن الأردن وقطر تقاطعا في "مقاربة عقلانية لملفات الإقليم تقوم على خفض التصعيد والحفاظ على قنوات الحوار ورفض منطق الفوضى".

وأضاف إن التنسيق السياسي العميق بين دولتين تتمتعان بعلاقات متوازنة مع أطراف إقليمية ودولية مختلفة منحهما قدرة أكبر على التأثير، ليس من موقع الاستقطاب بل "من موقع الوساطة والتوازن".

ولفت إلى أن الأهم في هذا التقارب مجيئه في لحظة أعيد فيها تعريف مفهوم الأمن القومي، موضحا أن "الأمن لم يعد عسكريا فقط بل اقتصاديا واجتماعيا أيضا".

وشدد على أن العلاقات الأردنية القطرية كانت أمام إعادة صياغة على أسس أكثر نضجا وواقعية، مؤكدا أنها لم تكن علاقة رد فعل ولا محاولة لملء فراغ مؤقت، بل "استثمار متبادل في الاستقرار، وفي القدرة على مواجهة مرحلة إقليمية معقدة بأدوات عقلانية".

وأكد أن نجاح هذه الشراكة "لن يقاس بعدد البيانات الصادرة بل بقدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة الناس، وتعزيز مكانة الدولتين كلاعبين مسؤولين في إقليم أنهكته الأزمات ويحتاج إلى نماذج تعاون حقيقية لا شعارات".

علاقات البلدين واستحضار التاريخ

وفيما يختص بقراءته حول انعقاد الدورة الخامسة للجنة العليا الأردنية القطرية المشتركة وما رافقها من توقيع مذكرات تفاهم وبرامج تنفيذية جديدة، أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، أن العلاقات الأردنية القطرية شهدت تطورات كبيرة خلال السنوات الماضية.

وأشار شنيكات إلى أنها علاقات ذات بعد تاريخي عميق، موضحا أن هذه العلاقات "تعود منذ الاستقلال وشهدت زيارات متبادلة على مستوى قادة البلدين"، ومعتبرا أن هذا الامتداد التاريخي أسس لشراكة مستقرة وقابلة للتطور.

ولفت إلى أن الكفاءات الأردنية لعبت دورا محوريا في مراحل مبكرة من بناء الدولة القطرية، مبينا أن "هذه الكفاءات كان لها دور في بناء قطر خاصة في المجالات الاقتصادية والقضائية وغيرهما".

وقال إن "هناك تشاورا في مختلف القضايا السياسية"، لافتا إلى أن هذا التشاور شمل مشاركات أردنية قطرية ومؤتمرات بين الطرفين، إضافة إلى التنسيق "على المستوى العربي والدولي"، وهو ما عكس تقاربا في الرؤى والمواقف تجاه القضايا الإقليمية والدولية.

وفيما يتعلق بالثوابت السياسية، أكد شنيكات أن قطر وقفت داعمة للأردن في قضايا محورية، موضحا أن "قطر تدعم السيادة الأردنية أو الرعاية الأردنية للأماكن المقدسة وتقف بقوة داعمة لهذا الأمر".

وتابع إن هذا الدعم تزامن مع تنسيق مشترك في ملفات حساسة، مضيفا إن الدوحة "تنسق مع الأردن في مجال المساعدات الفلسطينية، وفي موضوع القضية الفلسطينية ككل، وفي كثير من ملفات المنطقة".

وأشار إلى أن زيارات جلالة الملك عبدالله الثاني إلى قطر، وكذلك الزيارات الأميرية القطرية إلى الأردن، شكلت محطات مهمة في تعزيز العلاقات الثنائية، مؤكدا أن هذه الزيارات المتبادلة أسهمت في دفع العلاقات نحو مستويات متقدمة من التعاون السياسي والاقتصادي.

وفيما يتعلق باجتماعات الدورة الخامسة للجنة العليا الأردنية القطرية، قال شنيكات إن هذه الاجتماعات شكلت إطارا تنظيميا مهما للعلاقات بين الطرفين، خاصة مع توقيع مذكرات تفاهم في مختلف المجالات.

ولفت إلى أن هذا المسار جاء في سياق اقتصادي واضح، مذكرا بأن "قطر استثمرت بحدود 500 مليون في العام 2018"، وهو ما عكس جدية الدوحة في دعم الاقتصاد الأردني.

وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدا من التبادل التجاري والاستثمارات القطرية في قطاعات اقتصادية متعددة، معتبرا أن هذا التطور يعكس انتقال العلاقات من الطابع البروتوكولي إلى شراكات أكثر عمقا وتأثيرا.

وقال إن "العلاقات قد تشهد مزيدا من التبادل التجاري ومزيدا من الاستثمارات في القطاعات الاقتصادية المتعددة"، وهو ما من شأنه أن ينعكس بشكل ملموس على الاقتصاد والاستثمار والتشغيل.

وعلى الصعيد الإقليمي، لفت شنيكات إلى أن المنطقة شهدت تطورات متعددة قد تؤثر على الاستقرار العام، موضحا أن "هناك تطورات في الإقليم متعددة قد تؤثر على الاستقرار، مثل الملف الإيراني والعراقي واللبناني والسوري".

وأضاف إن ملفات أخرى مثل "اليمن قد تطفو على السطح"، مؤكدا أن هذه القضايا "قد تحتاج تقريبا وتبادلا في وجهات النظر" بين الأردن وقطر.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/19 الساعة 02:21