الأردن يغيّر قواعد اللعبة الاستثمارية

المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/19 الساعة 02:10
خارطة الاستثمار في الأردن لا تعيش اليوم لحظة تحسين تدريجي، بل تقف على عتبة انقلاب منهجي كامل في طريقة تفكير الدولة. التحوّل الجاري لا يتعلق بتعديل أدوات أو إعادة صياغة خطابات، بل بتفكيك عقل اقتصادي قديم كان يكتفي بتبرير الواقع، واستبداله بعقل تنفيذي لا يعترف إلا بما يُنجَز فعليًا على الأرض. في هذا السياق، لا يبدو حديث رئيس الوزراء د. جعفر حسان عن أن عام 2026 سيكون عام تنفيذ المشاريع مجرّد إعلان سياسي، بل إعلان نهاية مرحلة وبداية أخرى أكثر دقّة ووضوحًا.

لسنوات، أُدير الاستثمار في الأردن بمنطق دفاعي. الدولة كانت تشرح أكثر، وتُسوّق للاستقرار وتُعدّل القوانين بدل أن تُراكم المشاريع. البيئة الاستثمارية كانت تُعرض كقصة، لا كحزمة أصول جاهزة للتشغيل. النهج الجديد كسر هذه الحلقة. لم يعد المطلوب إقناع المستثمر بعدالة الحجة، بل وضعه أمام مشروع مكتمل العناصر: موقع، تمويل، شراكة، جدول زمني، ومخرج واضح. هذه ليست نقلة إجرائية، بل إعادة تعريف لدور الدولة وتحويله إلى مهندس اقتصاد.

اقتصاديًا، ما يحدث هو انتقال مركز القرار من الترويج إلى التطوير. الدولة لم تعد تقف عند بوابة الاستثمار تلوّح بالحوافز، بل دخلت إلى عمق السوق كمُنتِج فرص. المشاريع المطروحة اليوم لا تُصاغ بوصفها “أفكارًا قابلة للنقاش”، بل كوحدات اقتصادية مغلقة قابلة للقياس، قائمة على منطق التدفقات النقدية، والعائد طويل الأجل، وتوزيع المخاطر. هذا التحول يضع الأردن لأول مرة في موقع الدولة التي تُسعّر المخاطر بدل أن تعتذر عنها.

الأهم أن هذا النهج يعكس فهمًا صارمًا لطبيعة رأس المال في زمن الانكشاف العالمي. المستثمر لم يعد يبحث عن خطاب طمأنة، بل عن دولة تُقلّص هامش المفاجأة. عدم اليقين لا يُدار بالكلمات، بل بالمشاريع التي تبدأ فعليًا، وبالعقود التي تُوقَّع، وبالآليات التي تعمل حتى في غياب الضجيج. حين تبدأ المشاريع، يصبح الاستقرار قيمة اقتصادية حقيقية، لا شعارًا سياديًا معلقًا في الهواء.

في هذا الإطار، يصبح عام 2026 نقطة فاصلة لا زمنية فقط بل بنيوية. التنفيذ هنا ليس تفصيلًا تقنيًا، بل لحظة اختبار لعقل الدولة. إما أن ينجح هذا النهج في تحويل الخطط إلى أصول قائمة، أو ينكشف بلا مواربة. وهذا بالضبط ما يعطيه صدقيته. الدولة التي تختار التنفيذ تختار في الوقت ذاته أن تُحاسَب، وأن تتخلّى عن المساحات الرمادية.

التحوّل اللافت أيضًا هو أن الاستثمار لم يعد يُقدَّم كعصا سحرية، بل كأداة ثقيلة تحتاج وقتًا وصبرًا وتراكمًا. لا وعوداً بخفض البطالة بين ليلة وضحاها، ولا ادعاءات بقفزات كبيرة. هناك اعتراف ضمني بأن الاقتصاد لا يُدار بمنطق الصدمات الإعلامية، بل بمنطق التأسيس البطيء الصلب. هذا خطاب بالغ النضج ويعكس عقلًا اقتصاديًا يفضّل التحديات المالية القصيرة على الفشل الاستراتيجي الطويل.

ما يجري اليوم هو انتقال حاسم من اقتصاد ردّ الفعل إلى اقتصاد المبادرة، ومن دولة تنتظر المستثمر ليقترح، إلى دولة تقول: هذه مشاريعنا، هذه كلفتها، هذه عوائدها، وهذه شروط الشراكة. من يدخل على هذا الأساس مُرحب به، ومن ينتظر خطاب الإقناع سيفوته القطار. هنا لا تُدار الثقة بالعلاقات العامة، بل بالقدرة على التنفيذ.

ختامًا، الأردن اليوم لا يغيّر قوانين الاستثمار فقط، بل يعيد هندسة العلاقة بين الدولة ورأس المال. النهج الجديد لا يسعى لأن يكون محبوبًا فقط، بل أن يكون نافذًا. لا يراهن على تسويق الفكرة، بل على فرض الواقع. وإذا تحوّل عام 2026 فعلًا إلى عام بدء المشاريع لا عام تسويقها، فإننا لن نكون أمام تحسن ظرفي في المؤشرات، بل أمام ولادة عقل اقتصادي جديد للدولة: عقل لا يبرر، لا يشرح، ولا يَعِد… بل ينفّذ.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/19 الساعة 02:10