مقعد الشباب في البرلمان… من حق دستوري إلى مناورة حزبية

سلطان عبد الكريم الخلايلة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/18 الساعة 17:58
لكلٍّ منا تجربته في العمل العام، غير أن تجربتي، التي جاءت باختياري عضوًا في اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، تُعدّ من أكثر التجارب تأثيرًا في مسيرتي، لما حملته آنذاك من أمل حقيقي بإحداث تغيير بنيوي في الحياة السياسية الأردنية، قائم على الشراكة والتجديد وتوسيع قاعدة المشاركة.

وبقدر ذلك التفاؤل، يبدو المشهد اليوم مؤلمًا؛ إذ نشهد انزلاق بعض من تصدّروا سابقًا مساحات التوعية وبناء الوعي الجمعي إلى ممارسات تُفرغ العمل السياسي من مضمونه، وتحوله من مشروع نهضوي جامع إلى أداة إقصاء وانتقاء.

والخطورة هنا لا تكمن في الأشخاص بحدّ ذاتهم، بل في التحوّل العكسي للدور، حين تنتقل الرسالة من البناء إلى الهدم، ومن التمكين إلى الاستغلال.

ورغم ذلك، فإن الشباب الذين حاول البعض استنزاف طاقتهم لسنوات، يثبتون اليوم أنهم أقدر على تجاوز هذا الزيف، وأكثر وعيًا من أن يُقادوا مرة أخرى إلى المناهل ذاتها.

منذ الإعلان عن تشكيل اللجنة الملكية، كان حضور الشباب واضحًا في تركيبتها، ما فتح باب التساؤل المبكر حول مخرجاتها، هل سيكون هذا الحضور مدخلًا حقيقيًا لتمكين الشباب، أم مجرد عنصر تجميلي لا يترك أثرًا فعليًا في بنية القرار السياسي؟

ومع انطلاق أعمال اللجنة، ووضوح التوجيهات الملكية، جرى تخصيص لجنة مستقلة للشباب، مُنحت مساحة أوسع ودورًا أكثر تأثيرًا.

وقد عملت هذه اللجنة بجد من خلال اللقاءات الميدانية، والاستماع إلى مختلف الآراء والمقترحات، في محاولة جادة لترجمة تطلعات الشباب إلى سياسات قابلة للتطبيق، لا شعارات موسمية.

وتُوّج هذا الجهد بتقديم ورقة سياسات خاصة بالمؤسسات العاملة مع الشباب، منفصلة عن القوانين الناظمة للعمل السياسي، بهدف تحسين الممارسات، وضمان بيئة أكثر عدالة وانفتاحًا لمشاركتهم، بعيدًا عن الإقصاء أو التوظيف الشكلي.

وعقب تجربة الانتخابات النيابية الأخيرة، ومع تخصيص مقعد للشباب ضمن القوائم العامة، انتظر كثيرون بداية مختلفة تعكس روح التحديث.

غير أن الواقع كشف أن بعض القوائم تعاملت مع هذا الاستحقاق بوصفه شرطًا إجرائيًا لا أكثر، فوضعت الشباب في مراتب متأخرة لا تمنحهم فرصًا حقيقية، ومع ذلك قوبل هذا التواجد بتفاؤل مشروع من قبل الشباب أنفسهم.

إلا أن ما نشهده اليوم من ممارسات، تقوم على تحويل كل شاب يفوز إلى ما يشبه “محكمة حزبية” تمهيدًا لإقصائه وإحلال من يليه، يُعدّ ضربًا مباشرًا لجوهر التحديث السياسي، فبدل أن يكون القانون مظلة حماية للشباب، جرى تحويله إلى أداة للتحايل، ما يقتل الطموح، ويقوّض الثقة، ويوجّه رسالة سلبية لكل شاب يؤمن بالعمل الحزبي والبرلماني.

إن هذه التصرفات الإقصائية لا تُنتج تقدمًا، بل تعيد إنتاج أنماط سلطوية بأساليب ناعمة، داخل مساحات كان يُفترض أن تكون نموذجًا للديمقراطية والانفتاح، لا ساحة لتصفية الحسابات والمصالح الضيقة.

لقد تحوّل مقعد الشباب، في بعض الحالات، إلى مشاركة مؤقتة أشبه بـ“الإدخال المؤقت”، يُستثمر مرحليًا ثم يُفرغ من مضمونه. وبعد ذلك، نرى الوجوه ذاتها تعود إلى المنصات والندوات للتنظير حول معالجة الاختلالات، بينما هي في الواقع من أسهم في صناعتها، لتكتمل الصورة بمشاهد الصراخ داخل القاعات أو عبر البث المباشر، في مشهد لا يمت بصلة لروح العمل الحزبي الناضج.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تدخل الهيئة المستقلة للانتخاب لحماية فلسفة مشروع التحديث السياسي، عبر فرض معايير الحوكمة والشفافية على الممارسات الحزبية المرتبطة بمقعد الشباب، فدور الهيئة لا يقتصر على الإجراءات، بل يمتد لضمان عدم التحايل على القانون، وصون الثقة العامة، وحماية جوهر التحديث.

إن إنجاح تجربة التحديث السياسي يبدأ من احترام الشباب لا استخدامهم، ومن حماية القانون لا التحايل عليه، وإلا فإننا نخاطر بخسارة فرصة تاريخية، ونترك وراءنا جيلًا لا يرى في العمل الحزبي سوى بابٍ يُفتح مؤقتًا، ثم يُغلق.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/18 الساعة 17:58