النائب حداد يكتب: اكتشاف أثري يضع بادية الزرقاء على خارطة السياحة الأردنية

النائب وصفي حداد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/17 الساعة 20:16
في إنجاز أثري لافت يعكس غنى الإرث الحضاري الأردني وعمق الجذور الإنسانية في الصحراء الشرقية، كشفت دراسات حديثة مدعومة بتقنيات تصوير جوي وفضائي متقدم، أُنجزت مطلع يناير/كانون الثاني 2026، عن اكتشافات أثرية بالغة الأهمية في بادية الزرقاء، أعادت تقديم المنطقة بوصفها فضاءً تاريخيًا نابضًا بالحياة، ومركزًا متقدمًا للاستقرار البشري القديم.

وأظهرت نتائج هذه الدراسات منظومة معمارية وهندسية متكاملة تمتد من مناطق الحلابات إلى عمرة ومحيطها، تشمل مصايد حجرية كثيفة ومنشآت أثرية تعود لآلاف السنين، في مشهد نادر يعكس مستوى متقدمًا من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي لدى المجتمعات التي عاشت في هذه البقعة من الأردن.

تكشف المصايد الحجرية المكتشفة عن واحدة من أكثر منظومات الصيد تطورًا في المنطقة، حيث تكاد لا تخلو مساحة كيلومتر مربع واحد من نموذج معماري قديم. وقد صُممت هذه المصايد بأسلوب هندسي دقيق لصيد الحيوانات البرية، وعلى رأسها بقر المها وغزلان الريم، ما يدل على معرفة عميقة بالبيئة المحلية وسلوك الحيوانات، وعلى قدرة الإنسان القديم على تسخير الطبيعة ضمن منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة.

هذا الحضور الكثيف للمصايد لا يقدّم دلالة أثرية فحسب، بل يؤكد أن بادية الزرقاء كانت مركزًا للنشاط والإنتاج، وليست مجرد ممر صحراوي عابر كما ساد الاعتقاد لسنوات طويلة.

وتتجاوز الاكتشافات حدود الصيد لتشمل أبنية دائرية يُرجّح استخدامها لأغراض سكنية أو اجتماعية، إلى جانب مرافق إقامة مؤقتة للصيادين، ومخابئ لتخزين الأدوات والمؤن. كما عُثر على منشآت ذات طابع ديني واجتماعي، تشير إلى وجود منظومة قيم وممارسات جماعية تعكس استقرارًا بشريًا نسبيًا في المنطقة.

وتحمل النقوش الصخرية المنتشرة في مواقع متعددة مشاهد لحيوانات برية ورموز ذات دلالات ثقافية، ما يضيف بعدًا فنيًا وتعبيريًا للحياة اليومية في بادية الزرقاء خلال تلك الحقب، ويمنح الباحثين مفاتيح جديدة لفهم العلاقة بين الإنسان وبيئته الصحراوية.

ويُحسب لهذا الاكتشاف اعتماده على تقنيات تصوير جوي وفضائي حديثة، أسهمت في تسريع عمليات المسح والكشف، وفتحت المجال أمام قراءة شاملة للمشهد الأثري في الصحراء الشرقية. هذا التطور التقني شكّل نقلة نوعية في البحث الأثري، وأعاد الاعتبار لمناطق ظلت لسنوات خارج دائرة الاهتمام البحثي المكثف.

ولا تقف أهمية هذا الاكتشاف عند حدوده الأكاديمية، بل تمتد لتفتح آفاقًا واسعة أمام تطوير السياحة الثقافية والاستكشافية في محافظة الزرقاء. فغنى المواقع المكتشفة وتنوعها، إضافة إلى اتساع رقعتها الجغرافية، يؤهل بادية الزرقاء لتكون وجهة سياحية جديدة على الخارطة الأردنية، تضاف إلى سجل الأردن الحافل بالمواقع الأثرية العالمية.

إن الاستثمار المدروس في هذه المواقع، وحمايتها، وتقديمها بأسلوب علمي وسياحي متوازن، من شأنه أن يعزز التنمية المحلية، ويخلق فرص عمل، ويمنح الزرقاء موقعًا متقدمًا في المشهد السياحي الوطني.

يؤكد هذا الاكتشاف أن الصحراء الأردنية لم تكن يومًا فراغًا جغرافيًا، بل مسرحًا لتجارب إنسانية متقدمة في التنظيم والمعرفة والتكيّف مع البيئة. وبادية الزرقاء اليوم تقف أمام فرصة تاريخية لإعادة تقديم نفسها، لا كأطراف بعيدة، بل كقلب نابض من قلوب الحضارة في الأردن.

وبهذا الإنجاز، تُضاف بادية الزرقاء إلى سجل المواقع التي تعزز مكانة الأردن كوجهة عالمية للتاريخ والآثار، وتفتح فصلًا جديدًا من الفخر بالإرث الوطني، الذي يستحق الحماية، والدراسة، والترويج على أوسع نطاق.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/17 الساعة 20:16