البستنجي يكتب: المعلم والطالب معًا.. شراكة تربوية فاعلة في رحلة التعلّم المستدام

إياد يوسف البستنجي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/17 الساعة 15:40
سلسلة مقالات بداية العام الدراسي الجديد.

المرحلة السادسة: الطالب المبدع والمستقل – رحلة التعلّم المستدام.

المقال السابع:

المعلم والطالب معًا: شراكة تربوية فاعلة في رحلة التعلّم المستدام.

في عالمٍ يتسارع فيه التغيّر المعرفي والتقني، لم يعد التعلّم فعلًا لحظيًا مرتبطًا بحصة دراسية أو اختبار مرحلي، بل أصبح رحلة مستمرة لبناء الإنسان القادر على التفكير، والابتكار، وتحمل المسؤولية، وصناعة المعنى في حياته الشخصية والمجتمعية والرقمية.

وفي قلب هذه الرحلة، تتشكّل شراكة تربوية واعية بين المعلم والطالب؛ شراكة تتجاوز العلاقة التقليدية بين ناقل ومتلقٍ، لتصبح علاقة تعاون وتكامل، يكون فيها المعلم قائدًا ومرشدًا ومصممًا للخبرات، ويكون فيها الطالب متعلمًا نشطًا، مشاركًا، ومسؤولًا عن مسار تعلّمه.

هذه الشراكة ليست خيارًا تربويًا إضافيًا، بل هي الأساس الحقيقي لبناء تعلّم مستدام يترك أثرًا طويل المدى في الفهم، والسلوك، والمهارات، والقيم.

أولًا: التعلّم المستدام والشراكة التعليمية

1️⃣ التعلّم المستدام

هو قدرة الطالب على اكتساب المعرفة، وتوظيفها، وتطويرها باستمرار في سياقات حياتية متعددة، بحيث يتحول التعلّم من حدث مؤقت إلى عادة ذهنية ومهارة حياتية تمتد خارج جدران الصف إلى المجتمع والفضاء الرقمي.

2️⃣ الشراكة التعليمية

هي علاقة تعاونية قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، تقوم على ما يمكن تسميته بـ «العقد التربوي» بين المعلم والطالب؛ وهو عقد أخلاقي معرفي غير مكتوب، يحدد بوضوح الأدوار والتوقعات، ويؤكد:

حق الطالب في الخطأ والتجريب.

واجب المعلم في الدعم والتوجيه.

جدية التعلّم واستمراريته.

في هذه الشراكة يكون:

المعلم: مرشدًا، ميسرًا، ومصممًا لبيئات تعلّم محفّزة.

الطالب: شريكًا فاعلًا في التخطيط، والتنفيذ، والتقييم.

وتهدف هذه العلاقة إلى بناء متعلم مستقل، مبدع، وواعٍ بدوره ومسؤوليته.

ثانيًا: القيم الحاكمة للشراكة التعليمية المستدامة

لا يمكن أن ينجح التعلّم المستدام دون إطار قيمي واضح، يقوم على:

المسؤولية الفردية والجماعية.

الأمانة العلمية.

الانضباط الذاتي.

احترام الاختلاف.

التوازن بين الحرية والالتزام.

المواطنة الرقمية المسؤولة.

هذه القيم تضمن أن تكون التكنولوجيا وسيلة للبناء لا للاستهلاك، وأن يتحول التعلّم إلى سلوك واعٍ لا مجرد مهارة عابرة.

ثالثًا: البعد الوجداني في الشراكة التعليمية

تقوم الشراكة التربوية الفاعلة على بعد إنساني عميق، يتجلى في:

توفير الأمان النفسي داخل الصف.

بناء الثقة المتبادلة.

تعزيز الدافعية الداخلية للتعلّم.

فحين يشعر الطالب بأن صوته مسموع، وأن الخطأ فرصة للتعلّم لا أداة للعقاب، يصبح أكثر استعدادًا للمبادرة، والتجريب، والتفكير العميق.

وهنا يتجلى دور المعلم بوصفه داعمًا إنسانيًا قبل أن يكون خبيرًا معرفيًا، قادرًا على احتواء التنوع، وتحفيز الإمكانات، وبناء علاقات تربوية إيجابية تُعدّ أساسًا لتعلّم ذي معنى وأثر مستدام.

رابعًا: دور المعلم في الشراكة التعليمية المستدامة

المعلم المعاصر قائد تربوي يمارس أدوارًا متكاملة، من أبرزها:

1️⃣ مصمم تجارب تعلّم ذات معنى

ربط المحتوى بالحياة الواقعية والمشكلات المجتمعية.

توظيف التعلّم القائم على المشاريع، والمحاكاة الرقمية، والواقع المعزز.

تشجيع إنتاج المحتوى الرقمي (فيديو، بودكاست، مدونات تعليمية).

2️⃣ محفّز للتفكير النقدي والإبداع

طرح أسئلة مفتوحة وعميقة.

إدارة نقاشات صفية واعية.

تشجيع العصف الذهني وحل المشكلات بطرق مبتكرة.

3️⃣ مقيّم بنّاء ومرافق للتعلّم

تقديم تغذية راجعة تطويرية لا تصنيفية.

استخدام أدوات تقييم تفاعلية.

مساعدة الطالب على التقييم الذاتي ومراجعة مسار تعلّمه.

4️⃣ قدوة في القيادة الذاتية

ممارسة التعلّم المستمر.

تجسيد القيم في السلوك اليومي.

مشاركة الخبرات والتجارب الواقعية.

خامسًا: دور الطالب في التعلّم المستدام

في هذا النموذج يصبح الطالب محور العملية التعليمية من خلال:

1️⃣ المبادرة وتحمل المسؤولية

تحديد أهداف قصيرة وطويلة المدى.

متابعة التقدم وتعديل الخطط عند الحاجة.

2️⃣ التعلّم الذاتي والإنتاج الرقمي

البحث من مصادر موثوقة.

إنتاج محتوى يعكس الفهم والتحليل.

المشاركة في نقاشات رقمية واعية.

3️⃣ الابتكار والتطبيق

تنفيذ مشاريع مرتبطة بقضايا المدرسة أو المجتمع.

تجربة حلول عملية لمشكلات واقعية.

4️⃣ التعاون والعمل الجماعي

تبادل الأفكار.

اتخاذ قرارات مشتركة.

المشاركة في مبادرات خدمة المجتمع.

سادسًا: استراتيجيات وأدوات تعزيز الشراكة المستدامة

تتطلب الشراكة التعليمية المستدامة تنويع الاستراتيجيات وتكامل الأدوات بما يخدم طبيعة التعلّم الحديث، ويعزز دور الطالب كشريك فاعل في بناء معرفته، وذلك من خلال:

في التعلّم الذاتي: تدريب الطلاب على التخطيط، وتنظيم الوقت، ومتابعة التقدم باستخدام أدوات رقمية داعمة.

في الابتكار: اعتماد التعلّم القائم على المشاريع التطبيقية وتحويل الأفكار إلى منتجات تعليمية ملموسة.

في التفكير النقدي: تحليل الحالات الواقعية، وتنظيم الأفكار، وإدارة نقاشات تحليلية عميقة.

في المهارات الرقمية: إشراك الطلاب في إنتاج المحتوى، والتواصل الواعي، والعمل التشاركي ضمن بيئات تعلّم منظمة.

في ربط التعلّم بالواقع: التعلّم المجتمعي والميداني، والمختبرات الرقمية، ومبادرات خدمة المجتمع.

وبتكامل هذه الممارسات، تتشكل بيئة تعليمية مستدامة تجمع بين النظرية والتطبيق، وبين التعلّم الفردي والجماعي.

سابعًا: أخطاء شائعة تهدد الشراكة التعليمية

الخلط بين الشراكة والفوضى الصفية.

الإفراط في الحرية دون ضوابط تربوية.

التركيز على الأدوات الرقمية دون معنى تعلّمي.

تقييم الطالب على المنتج النهائي فقط دون مراعاة مسار التعلّم.

الوعي بهذه التحديات شرط أساسي لبناء شراكة متوازنة وفاعلة.

ثامنًا: مؤشرات نجاح الشراكة التعليمية

قدرة الطالب على التخطيط لتعلّمه ذاتيًا.

تحسّن نوعية الأسئلة والنقاشات الصفية.

ارتفاع مستوى الإنتاج المعرفي الرقمي.

انخفاض الاعتماد على الحفظ والتلقين.

تطور السلوك القيمي داخل الصف والفضاء الرقمي.

تاسعًا: دور القيادة المدرسية في دعم الشراكة

توفير بيئة تعليمية مرنة.

دعم المبادرات الصفية.

تشجيع التجريب الآمن.

تخفيف الضغط الامتحاني.

تحفيز المعلمين المبدعين.

? الشراكة بين المعلم والطالب ليست أسلوب تدريس، بل ثقافة تربوية تُبنى على الثقة، وتُمارَس بالمسؤولية، وتُقاس بالأثر.

معلم يقود التعلّم ولا يفرضه، وطالب يقود ذاته ولا يُقاد، ومعرفة تتحول إلى ممارسة، ومهارات تُوظَّف، وقيم تُعاش في الصف والحياة والفضاء الرقمي.

التعلّم المستدام يبدأ حين يصبح الطالب قائدًا لتعلّمه، ويجد في المعلم مرشدًا وشريكًا، لا مصدرًا وحيدًا للمعرفة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/17 الساعة 15:40