أبو لبن يكتب: الأحزاب خارج الذاكرة الشعبية

الدكتور زياد أبو لبن
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/17 الساعة 14:14
بعد أن قرأت مقال الكاتب والمحامي الصديق جمال القيسي بعنوان "لماذا لا يثق الأردنيون بالأحزاب؟"، المنشور في موقع "مدار الساعة" بتاريخ 15/1/2026 وجدت نفسي موافقًا لرأيه، وقررت كتابة هذا المقال.

ليس السؤال عن الأحزاب في الأردن سؤالًا سياسيًا فحسب، بل هو سؤال في الذاكرة، وفي التجربة، وفي الخيبة المتراكمة. فالثقة لا تُمنح بالنوايا، بل تُبنى بالفعل، ولا تُصان بالشعارات، بل بالصدق والاستمرارية. وحين تتآكل الثقة، لا يكون السبب لحظة عابرة، بل تاريخًا من المسافة الطويلة بين القول والفعل.

نشأ الأردني وهو يرى الحزب كيانًا بعيدًا عن همومه اليومية، لغته خشبية، وخطابه معلق في الهواء، لا يمسّ خبز الفقراء، ولا قلق العاطلين، ولا تعب المعلمين، ولا وجع الأطراف المنسية. بدا الحزب، في المخيال العام، نادٍ للنخبة، أو منصة للخطابة، أو سلّمًا فرديًا للوجاهة والمصالح، لا مشروعًا وطنيًا جامعًا. وهكذا، انكسر الخيط الأول بين المواطن والتنظيم السياسي.

ثم جاءت التجربة، وهي المعلم الأقسى. تجارب حزبية قصيرة العمر، متشابهة الأسماء، متباينة المواقف، سرعان ما تنقسم على ذاتها، أو تذوب في أول اختبار جدي. أحزاب تولد كثيرة، لكنها لا تكبر؛ ترفع سقوفًا عالية في المواسم، ثم تخفضها في لحظة الجد. هذا التناقض رسّخ شعورًا عامًا بأن الحزب لا يتحمل كلفة موقف، ولا يدفع ثمن رؤية، وأن السياسة فيه أقرب إلى المناورة منها إلى الالتزام.

ويضاف إلى ذلك إرث طويل من الشك المتبادل بين الدولة والعمل الحزبي، ترك أثره العميق في الوعي الجمعي. فقد تعلّم الناس، عبر عقود، أن الحذر فضيلة، وأن الاقتراب من السياسة قد يكون مكلفًا، وأن السلامة في الابتعاد. هذا الإرث لم يُمحَ بسهولة، حتى مع تغير القوانين وتبدل الخطابات، لأن الذاكرة الشعبية لا تُقنعها النصوص، بل تطمئنها الممارسة.

كما أن الأحزاب، في كثير من الأحيان، لم تنجح في مخاطبة المجتمع بلغته الحقيقية. بقي خطابها عامًا، مستنسخًا، لا يعكس تنوّع الأردنيين، ولا يصغي لخصوصياتهم الاجتماعية والثقافية. لم تدخل البيوت من أبوابها، ولم تنزل إلى القرى والمخيمات والأحياء الشعبية إلا في مواسم الانتخابات، فبدت كضيف عابر لا كشريك دائم.

ولعلّ الأشد وطأة هو غياب النموذج. فالمواطن يسأل: أين الحزب الذي غيّر حياة الناس؟ أين التجربة التي دافعت عن أعضائها قبل أن تفاوض باسمهم؟ أين القيادة التي قدّمت مثالًا في النزاهة والتضحية؟ حين يغيب المثال، تتحول الدعوة إلى العمل الحزبي إلى خطاب أخلاقي جميل، لكنه بلا جذور.

لهذا كله، لا يثق الأردنيون بالأحزاب لأنهم لم يروا فيها أنفسهم، ولم يجدوا فيها مرآة لآمالهم ولا أداة حقيقية للدفاع عن مصالحهم. غير أن هذه القطيعة ليست قدرًا أبديًا. فالثقة يمكن أن تعود، إذا نزل الحزب من برجه، واشتغل بصبر، وبنى مشروعًا واضحًا، والتزم بالناس قبل أن يطالبهم بالالتزام به.

عندها فقط، قد يتغير السؤال من: لماذا لا نثق بالأحزاب؟ إلى: أي حزب يمثّلنا حقًا؟

وهذا التحول، إن حدث، سيكون علامة عافية في السياسة، ودليلًا على أن المسافة بين المواطن والحلم لم تعد مستحيلة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/17 الساعة 14:14