الإسراء والمعراج.. مراسيم فرض الصلاة في رحلة الرسول الكريم إلى السماء

مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/16 الساعة 10:47
لم يسمع التاريخ منذ أزله إلى اليوم عن رحلة أكثر عظمة وإبهارا وإعجازا وقداسة من رحلة الإسراء والمعراج، التي كسرت حدود المكان وآفاق الزمان، وقواعد المنطق المتداول لدى عموم البشر، منذ الأزل إلى اليوم.

كان لهذه الرحلة عالمها الخاص، وأفقها الممتد في فضاء قدرة الله جل وجلاله، كانت أول لقاء في بحبوحة السماء بين أهل الأرض والملأ الأعلى.

إنها المعجزة الخالدة التي استقرت في أعماق الوجدان الإسلامي، ملهمة للإبداع الإنساني في تخيل رحلة وأحداث ولقاء لا يحيط به عقل بشري ولا يتصوره خيال شاعري مجنح.

رحلة الإسراء.. جلال سماوي يمحو آلام عام الحزن

لم يكن العام العاشر من البعثة النبوية (620 م) عاما عابرا في مسيرة المصطفى ﷺ، بل كان من أحلك السنين المكّيات التي عاشها الرسول الأعظم ﷺ وهو يدعو المشركين إلى توحيد الله جل جلاله، وإلى تعظيم مكة وتنزيه البيت الحرام والكعبة المشرفة عن أن تكون مستندا لمئات الأصنام الحجرية التي لا تنفع ولا تضر، كانت دعوة التوحيد جزءا من منظومة قيم شاملة، وكانت أم القرى وما حولها في أمسّ الحاجة إليه.جاء العام العاشر ليصبّ حزنا جديدا على النفس النبوية المطمئنة التي يهذبها الوحي، حين توفي عمه أبو طالب الذي كان أهم سند اجتماعي للنبي الكريم ﷺ، وذلك بعد فترة وجيزة من وفاة زوجه الكريمة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، التي تقف صفحات الأيام والوفاء عاجزة عن إيفائها حقها من المجد الإيماني الخالد، فقد كانت أم أبناء النبي ﷺ التي واسته بنفسها ومالها، وتلقت تحيات الملأ الأعلى وبشارات السماء ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

من أجل ذلك وتطييبا لخاطر النبي ﷺ، وإعدادا لمستقبل الدعوة الخالدة، جاءت الدعوة إلى أعظم رحلة في تاريخ الكون، وكان كل شيء جاهزا ومرتبا بقدرة "كن فيكون".

جاء جبريل عليه السلام والنبي ﷺ متوسّد في الحجر بالكعبة المشرفة، فأيقظه لتبدأ من تلك اللحظة مراسيم الرحلة المقدسة. فقد كانت تأشيرة العبور دعوة من الملأ الأعلى، وكانت وسيلة النقل جاهزة، إنها الدابة العظيمة التي يركبها الأنبياء والأنبياء فقط، كان اسمها البراق، ووصفها النبي ﷺ بدقة، فهي دابة فوق الحمار ودون البغل، خارقة السرعة، تضع حافرها حيث ينتهي بصرها، ولا تسل أين ينتهي ذلك البصر الحديد، فأنت في عالم لا يقاس بحد، "ولا يُقـالُ لِفَضْلِ اللهِ ذَا بِكَمِ" كما قال الإمام البوصيري.

"مَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْهُ".. دابة الأنبياء

ورد ذكر الإسراء في القرآن الكريم في سورة الإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وورد ذكر المعراج في سورة النجم ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾.كما ورد حديث الإسراء والمعراج في عدد من مصادر السنة النبوية، وأوصل بعض الأئمة عدد رواته إلى أكثر من 26 صحابيا، وتوارت وتداخلت روايات الحديث وتعاضدت، وتداولت الأحداث بين الاستفاضة والاختصار.

ووفق بعض الروايات فقد بدأت رحلة الإسراء مباشرة بعد أدائه صلاة العتمة في المسجد، وكانت الصلوات يومها ركعتين في الصباح وركعتين في الليل لا أكثر، وفق ما روى شداد بن أوس في حديث رواه البيهقي. وتدل عبارة الإسراء على أن هذه الرحلة التي يمكن أن تستغرق مليارات السنين -إن نظرنا إلى جزء منها بمقياس الناس اليوم- كانت في جزء من الليل، حيث لا يكون السّرى إلا بعد أن يسدل الليل أستاره.

كان أول أحداث الرحلة حيث أوقف جبريل دابة البراق، فاستصعبت عليه ﷺ، وفق ما يروي أنس بن مالك في سنن الترمذي "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِالبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْهُ. قَالَ: فَارْفَضّ عَرَقًا". وفي رواية أخرى "وَأَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام بِدَابَّةٍ بَيْضَاءَ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، فَقَالَ: ارْكَبْ، فَاسْتَصْعَبَتْ عَلَيَّ، فَدَارَهَا بِأُذُنِهَا، ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهَا".

ولا غرابة في موقف هذه الدابة السماوية ذات المكانة السامية، منذ أن ذللها الله ركوبا للأنبياء، وربما كان آخر عهد لها بالأنبياء كان قبل قرابة ستة قرون فاصلة بين ميلاد عيسى عليه السلام ورحلة الإسراء العظيمة.

محطات الرحلة.. صلوات في منازل الوحي ومحاريب الأنبياء

كان للصلاة سرها العجيب في رحلة الإسراء والمعراج، بل كانت الكلمة المفتاحية الأكثر ترددا في أحاديث هذه المعجزة الخالدة.

ولئن كانت الرحلة بدأت بعد صلاة العتمة في المسجد الحرام، فقد كانت محطة التوقف الأول صلاة في المدينة المنورة، وكانت الثانية صلاة أخرى في مَدْيَنَ عند شجرة موسى عليه السلام، ثم سارت رحلة الموكب الخارق، لتكون محطة الصلاة الثالثة في بيت لحم، حيث ولد عيسى عليه السلام، أما الصلاة الرابعة فكانت عند الوصول إلى بيت المقدس، حيث صلى إماما بالأنبياء في مؤتمر الجلال والعظمة في بيت المقدس.وقد روى الحديث النبوي الشريف طرفا من هذه الصلوات العظيمة، إذ قال ﷺ "فَانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا: يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، حَتَّى بَلَغْنَا أَرْضًا ذَاتَ نَخْلٍ فَأَنْزَلَنِي، فَقَالَ: صَلِّ. فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللهُ أَعْلَمُ. قَالَ: صَلَّيْتَ بِيَثْرِبَ، صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ. فَانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا فَقَالَ: انْزِلْ. فَنَزَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: صَلِّ. فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللهُ أَعْلَمُ. قَالَ: صَلَّيْتَ بِمَدْيَنَ، صَلَّيْتَ عِنْدَ شَجَرَةِ مُوسَى عليه السلام. ثُمَّ انْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا بَدَتْ لَنَا قُصُورٌ، فَقَالَ: انْزِلْ. فَنَزَلْتُ، فَقَالَ: صَلِّ. فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا، قَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللهُ أَعْلَمُ. قَالَ: صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ، حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى عليه السلام المسيح ابن مَرْيَمَ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ مِنْ بَابِهَا الْيَمَانِيِّ فَأَتَى قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ فَرَبَطَ بِهِ دَابَّتَهُ".
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/16 الساعة 10:47