بطاح يتساءل: جمهورية إيران الإسلامية.. إلى أين؟!

د. أحمد بطاح
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/15 الساعة 13:31
إنّ مما لا شك فيه أن المظاهرات الحاشدة الأخيرة في إيران لها انعكاسات جدّية على مصداقية النظام الإيراني وقدرته على الاستمرار والبقاء، وقد ميزتها عن سابقاتها -وهي ليست قليلة- خصائص عديدة من أهمها:

أولاً: أنها كانت شاملة حيث عمّت معظم المُدن الإيرانية ابتداءً من العاصمة طهران وحتى المدن الإيرانية الحدودية مع الدول الأخرى، وتمخضت عن أعداد غير قليلة من القتلى.

ثانياً: مشاركة فئة التجار (البازار) فيها وهي شريحة لها أهمية خاصة من الناحية الاقتصادية وكلنا يعلم أن الثورة الإيرانية التي حدثت في عام 1979 بدأها تجار البازار، فهم من الذين يحسون بالوضع الاقتصادي وارتداداته على المواطن الإيراني.

ثالثاً: أنها تحدث وسط بيئة إقليمية ليست مواتية لإيران فحليفها في دمشق لم يعد هناك، وحزب الله يعاني ما يعانيه من الهجمات الإسرائيلية ومن مطالبة الدولة اللبنانية له بتسليم سلاحه إليها، وحماس ما زالت تُلملم جراحها في وجه عدو يلاحقها ويلاحق شعبها كل يوم وبكافة الوسائل والسبل، والحوثيون ليسوا في أحسن أحوالهم في ضوء الحالة اليمنية المعقدة والسائلة.

رابعاً: أنّ الوضع الدولي ليس في صالح إيران فالولايات المتحدة تفرض عليها أشد العقوبات (ما تسميه الإدارة الأمريكية بالعقوبات القصوى)، وإسرائيل تتربص بها وهي قادرة كما ثبت بالفعل على إيذائها، وحلفائها ليس في وارد نجدتها إذا وقعت الواقعة، فروسيا مُنشغلة بحربها الضروس مع أوكرانيا، والصين تقصر دورها العالمي على الدور السياسي والاقتصادي.

إنّ هذه الاعتبارات السابقة لا تعني أنّ النظام لا يتوفر على بعض الميزات الهامة التي تقوّي موقفه فهو نظام متجذّر بلا شك أمضى ما يقارب الخمسين سنة يمسك بتلابيب السلطة وقد بنى خلالها نظاماً مركباً يحميه "الحرس الثوري"، و"الجيش"، و"الباسيج"، و"المعممين" وقاعدة شعبية مُؤدلجة لا بأس بها، ولعلّ الأهم فيما يحمي النظام من السقوط أنه لا توجد معارضة حقيقية ذات زعامة معروفة له، والذين يتحدثون عن "رضا" ابن الشاه الأخير لا يعرفون أنه لا رصيد له داخل الشارع الإيراني في ضوء ارتباطاته الإسرائيلية المُحتقرة من قبل الجماهير الإيرانية وفي ضوء معرفة الأمريكيين برصيده الحقيقي في إيران حتى إن ترامب رفض الاجتماع به، ويمكن القول مثل ذلك عمّا يُسمى بالمجلس السياسي للمقاومة برئاسة مريم رجوي.

إنّ السؤال الذي قد يبرز هُنا هو: هل يستطيع النظام النجاة تماماً بوضعه الحالي؟ إنّ تلك احتمالية قليلة بحكم أنه لا يستطيع أن يغيّر جلده فهو نظام طائفي (يتبنى المذهب الشيعي الاثنا عشري تحديداً)، وثيوقراطي استبدادي (يملك المرشد الأعلى للجمهورية كل السلطات تقريباً وما المجالس الأخرى إلّا شكلية النفوذ)، ولذا فإنّ التغيير الحقيقي يجب أن يأتي من داخل هذا النظام أيّ من خلال انقلاب عسكري أمني يقوم به بالذات الحرس الثوري (صاحب القوة الحقيقية في النظام) لتغيير آلية الحكم بحيث تصبح أكثر ديمقراطية وبحيث تُنوِّع خيارات البلاد، مما يمكّنها من التعامل مع الإقليم والعالم بأسلوب مختلف يحرّرها من العقوبات الدولية ويجعلها منخرطة أكثر في مصالح الإقليم والعالم حتى وإنْ أدى إلى تخليها عن أذرعها (أو حلفائها إن شئت) في الإقليم وعن أسلحتها النووية مع احتفاظها ببعض القدرات الصاروخية التي تحفظ لها أمنها.

أمّا التغيير من الخارج بضربات تقوم بها الولايات المتحدة (كما هدّد ترامب مؤخراً وبمساعدة آتية على الطريق) وإسرائيل لتشجيع المتظاهرين وتحفيز عملية التغيير فلن تؤدي إلّا إلى ردات فعل عكسية تُترجم في التفاف الجماهير الإيرانية حول النظام الذي يتعرض لضربات من أعدائها التقليديين أي الولايات المتحدة (الشيطان الأكبر)، وإسرائيل. إنّ الضربات الأمريكية يمكن أن تدمر بعض المواقع، ويمكن أن تقتل بعض القادة المُهمين، ولكنها بالتأكيد لن تؤدي إلى إسقاط النظام الذي سوف يظهر بمظهر المدافع عن شرف البلاد وكرامتها وبخاصة إذا تذكرنا بأنّ إيران دولة ذات تاريخ إمبراطوري (حكمت معظم منطقة الشرق الأوسط ذات يوم)، وحضاري، ولذا فلن يصفق أحد من الإيرانيين للغزاة الأمريكيين والإسرائيليين الذين عُبئوا ضدهم منذ خمسين سنة، والذين ضربوا منشآتهم وقادتهم وعلماءَهم منذ أشهر ولمدة (12) يوماً.

إنّ الموضوع الإيراني شائك ومعقد ولكن ما يمكن الاتفاق عليه هو أن هذه المظاهرات خطيرة فعلاً، وأنّ التغيير لا يمكن أن يأتي بضربات من الخارج، ولكنه قد يأتي الآن أو بعد حين من الداخل وبعملية معقدة لا يستطيع أحد أن يُخمّن أسلوبها وكيفيتها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/15 الساعة 13:31