قديسات يكتب: حلّ مجلس النواب بين الشائعة والواقع

نادر قديسات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/15 الساعة 11:52
تعد الشائعة في السياق الأردني ظاهرة مركبة لا يمكن اختزالها بوصفها انحرافا في الوعي الجمعي أو فعلا عفويا بل هي أداة تتحدد دلالاتها ووظيفتها تبعاً للفاعل الذي يديرها ويقف خلفها فحين يغيب الوضوح تتكاثر التكهنات وحين يختل التواصل المؤسسي تحل الشائعة بوصفها بديلا غير رسمي لتفسير الواقع.

إن ما يمارس اليوم في الشارع الأردني من استقراء إجتماعي وسياسي لا ينطلق من فراغ بل يستند الى ذاكرة جمعية راكمت تجارب سابقة جعلتها اكثر حساسية للإشارات غير المعلنه.

وهنا قد تتحول الشائعة الى أداة بيد الدولة تستخدم لاختبار المزاج العام او للتمهيد لقرارات قادمة الا ان هذه الأداة نفسها قد تنقلب الى عامل إرباك وتقويض حين تخرج عن نطاق الضبط فتتعدد تأويلاتها وتتكشف من خلالها فجوة بين الدولة والمجتمع وفي احيان اخرى لا تُطلق الدولة الشائعة صراحة ولا تبادر الى اجتثاثها فتنتقل الدولة من موقع الفاعل الى موقع المضطر للتفاعل .

إن استقراء المشهد الأردني وعقلية إدارة الأحداث يمكن ربطه بالمثل الشعبي القائل "لايوجد نار بدون دخان" فقد إستطاع الشارع الأردني في غير محطة استقراء احداث وتغيرات سياسية كبرى مما قُدم له تحت مسمى (الشائعة) وفي هذا السياق تتكاثر اليوم الشائعات التي تتحدث عن حل مجلس النواب وهو مجلس يعاني من اشكاليات بنيويه عميقه وعلى سبيل المثال لا الحصر فيمكن تصور المجلس كجسم يقوم على أعمدة إسمنتيه تمثل الاحزاب حجر الزاوية فيه غير ان تفحص هذه الاعمده يكشف عن حديد صدئ واسمنت رديء ما يعكس هشاشة البناء الحزبي الذي أقيم عليه المجلس فإن لم يحل هذا المجلس فقد ينهار من تلقاء نفسه عاجلا ام اجلا كما ان الإخفاق في معالجة اشكاليات الاحزاب سيؤدي الى تفاقمها داخل المجلس الذي لم يلاقي اداءه استحسان الشارع.

بالعوده الى الشائعة فأنها تبدأ بالرفض الواسع وثم بالتدريج يبدأ المحللون والمنظرين بتقديمها للشارع الاردني ضمن قوالب منطقيه وعقلانيه فتبدوا قابلة للتحقيق ومن ثم يبدأ السجال في الشارع بين مؤيد ومعارض وبالطبع مؤسسة بحجم مجلس النواب على الرغم من اهميتها الا ان تاريخها وحاضرها يضع مستقبلها في اطار الرفض المجتمعي وهنا تتحول الشائعة الي فكرة ومن فكرة تلاقي استحسان الشارع الاردني الى مطلب جماهيري .

إن الشائعة تقودنا الى سؤال جوهري ما الذي يمنع الجهات المسؤولة وصناع القرار من اجتثاث الشائعة في مهدها ان لم تكن على دراية بوظيفتها او بتداعياتها المحتملة ؟

فيما يكاد الشارع الاردني في قراءته الاولى لهذه الشائعة ربطها بشكل مباشر بالسياق الدولي وتحديدا بقرار الرئيس الامريكي دونالد ترامب المتعلق في تصنيف جماعة الاخوان المسلمين كمنظمة ارهابية وهو ربط بغض النظر عن دقته الا انه قد يعكس مخاوف قد تمس بهيبة الدولة وسمعة مؤسساتها .

في المحصلة لا يمكن التعامل مع الشائعة في السياق الاردني بوصفها ظاهرة هامشية او خللاً عابرا في وعي الشارع بل كنتاج مباشر لبنية سياسية تعاني من ضعف التواصل وتاكل الثقة بالمؤسسات الوسيطة فالشائعة تزداد خطورتها كظاهرة حين تتحول الى بديل معرفي عن الرواية الرسمية

إن قراءة الشائعة بوصفها مؤشراً بنيويا لا تعني التسليم بصحتها بل تسعى الى تفكيك الشروط التي سمحت بأنتشارها وتأثيرها

ويبقى السؤال الاهم هل الخطر الحقيقي يكمن في الشائعة ذاتها ام في البنى التي صيرت الشائعة كبديل عن الخطاب الرسمي ؟.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/15 الساعة 11:52