البستنجي يكتب: التعلّم المستدام والقيادة الشخصية للطالب.. نحو جيل واعٍ ومبتكر ومسؤول

إياد يوسف البستنجي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/14 الساعة 21:45
سلسلة مقالات: بداية العام الدراسي الجديد

المرحلة السادسة:

الطالب المبدع والمستقل: رحلة التعلّم المستدام

المقال السادس:

التعلّم المستدام والقيادة الشخصية للطالب: نحو جيل واعٍ، مبتكر، ومسؤول.

من يقود تعلّم الطالب اليوم؟ المدرسة أم الطالب نفسه؟

لم يعد التعلّم في القرن الحادي والعشرين مجرّد عملية لاكتساب المعلومات أو اجتياز الاختبارات، بل تحوّل إلى مسار متكامل لبناء الإنسان القادر على قيادة ذاته، وتنظيم حياته، واتخاذ قرارات واعية في عالم سريع التغيّر. فالتحدّي الحقيقي لم يعد في ماذا يتعلّم الطالب، بل في كيف يتعلّم، وكيف يقود نفسه، وكيف يواصل تعلّمه مدى الحياة.

إنّ الطالب المتعلّم المستدام هو الذي يفكّر، ويخطّط، ويبادر، ويقيّم ذاته باستمرار، ويستثمر البيئة المدرسية، والرقمية، والمجتمعية ليصبح متعلّمًا نشطًا مدى الحياة؛ لا ينتظر التوجيه الدائم، بل يمارس دور القائد الصغير والمسؤول الكبير عن تعلّمه وسلوكه وأثره.

أولًا: مفهوم التعلّم المستدام والقيادة الشخصية

1️⃣ التعلّم المستدام

هو عملية تعليمية مستمرة يكتسب فيها الطالب المعرفة والمهارات، ويطوّر ذاته ذاتيًا، بطريقة تضمن تحسّنًا دائمًا في التفكير والسلوك والإنجاز. ولا يقتصر هذا التعلّم على الصف المدرسي، بل يمتد ليشمل:

المنزل،

المجتمع،

الفضاء الرقمي.

ويتقاطع هذا المفهوم مع نظريات التعلّم المنظّم ذاتيًا (Self-Regulated Learning) والتعلّم مدى الحياة، التي تؤكّد أن المتعلّم الفاعل هو من:

يخطّط لتعلّمه،

يراقب تقدّمه،

يقيّم أداءه،

ويعدّل مساره بوعي ومسؤولية.

2️⃣ القيادة الشخصية

هي قدرة الطالب على:

تنظيم ذاته،

تحديد أهدافه،

إدارة وقته وطاقته،

اتخاذ قرارات مسؤولة،

تحمّل نتائج اختياراته،

والتأثير الإيجابي في محيطه.

ولا تكتمل القيادة الشخصية دون امتلاك الطالب إحساسًا بالغاية والمعنى؛ فيدرك لماذا يتعلّم، ولأي هدف يسعى، وكيف يوظّف تعلّمه لخدمة ذاته ومجتمعه.

3️⃣ الارتباط بالقيم

تستند القيادة الشخصية والتعلّم المستدام إلى منظومة قيمية راسخة، قوامها:

المسؤولية،

المبادرة،

الانضباط الذاتي،

احترام الآخرين،

التوازن بين الحرية والواجب.

▫️ الهدف الجوهري:

إعداد طالب قادر على التعلّم مدى الحياة، وعلى قيادة ذاته داخل المدرسة وخارجها، في العالمين الواقعي والرقمي، بوصفه إنسانًا واعيًا، مبتكرًا، ومسؤولًا، ومنتجًا للأثر لا مستهلكًا له.

ثانيًا: أساليب تعزيز التعلّم المستدام والقيادة الشخصية

1️⃣ تحديد أهداف شخصية مرتبطة بالتعلّم

يساعد المعلم الطلاب على وضع:

أهداف قصيرة المدى (أسبوعية وشهرية)،

وأهداف طويلة المدى (فصلية وسنوية).

ويُشجَّعون على توثيقها في دفاتر نمو ذاتي أو تطبيقات رقمية، لمتابعة تقدّمهم وبناء عادات إيجابية قائمة على التخطيط والمراجعة.

2️⃣ تنمية مهارات التخطيط والتنظيم

من خلال:

إدارة الوقت،

ترتيب الأولويات،

تقسيم المهام،

متابعة الإنجاز.

ويمكن دعم ذلك باستخدام جداول تنظيمية وأدوات رقمية ومنصات تعليمية تُعزّز المسؤولية الذاتية.

3️⃣ تشجيع المبادرة وتحمل المسؤولية

يُمنح الطالب فرصًا حقيقية للمبادرة عبر مشاريع صفية، وأعمال تطوعية، وأدوار قيادية داخل الصف، بما ينمّي لديه تحمّل القرار ونتيجته.

4️⃣ التغذية الراجعة الذاتية والموجّهة

يُدرَّب الطالب على تقييم أدائه ذاتيًا وكتابة تأملات قصيرة حول تقدّمه، مع تغذية راجعة بنّاءة تركّز على النمو لا على التصنيف.

5️⃣ دمج القيم والسلوكيات الإيجابية في حياة الطالب

من خلال تعزيز الانضباط الذاتي، ومهارات التواصل، والتعاون، واحترام الوقت، وربط ذلك بالسلوك الرقمي المسؤول.

ثالثًا: نموذج تطبيقي مختصر

مثال تطبيقي:

في بداية الأسبوع، يضع الطالب خطة تعلّم شخصية تتضمّن:

هدفًا تعليميًا واحدًا،

ومهارة سلوكية واحدة (مثل إدارة الوقت).

في نهاية الأسبوع:

يقيّم الطالب مدى التزامه بالخطة،

يدوّن ما نجح فيه وما يحتاج إلى تطوير،

يناقش ذلك مع المعلم أو مجموعة التعلّم.

ويمكن توثيق هذه التجربة في ملف إنجاز شخصي لمتابعة تطوّر القيادة الذاتية لدى الطالب عبر الزمن، فتتحوّل القيادة الشخصية من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية واعية.

رابعًا: مؤشرات نمو القيادة الشخصية لدى الطالب

يمكن للمعلم ملاحظة نمو القيادة الذاتية من خلال:

قدرة الطالب على التخطيط دون توجيه مباشر،

التزامه الذاتي بالمهام،

جودة قراراته التعليمية والسلوكية،

تحمّله لنتائج اختياراته،

تطوّر قدرته على التأمل الذاتي.

▫️ مؤشرات النجاح الأوسع:

ازدياد دافعية الطالب للتعلّم دون حوافز خارجية.

تحسّن قدرته على إدارة وقته ومهامه.

انتقال أثر القيادة الذاتية إلى حياته الأسرية والمجتمعية.

خامسًا: دور المعلم في ترسيخ التعلّم المستدام والقيادة الذاتية

مرشد وموجّه يساعد الطالب على اكتشاف ذاته وبناء خططه.

قدوة عملية تمارس التعلّم المستمر أمام الطلاب.

مصمّم بيئة تعلّمية محفّزة تشجّع المبادرة والتجربة والخطأ الآمن.

مقيّم بنّاء يركّز على النمو لا على التصنيف.

ميسّر للتعلّم الرقمي يوظّف التكنولوجيا لدعم القيادة الذاتية لا لإرباكها.

سادسًا: الشراكة مع الأسرة في بناء القيادة الشخصية

لا تكتمل استدامة التعلّم دون شراكة واعية مع الأسرة، من خلال:

توحيد لغة الأهداف والمسؤولية بين البيت والمدرسة،

دعم الاستقلالية وعدم الإفراط في الحماية،

عقد جلسات حوار قصيرة منتظمة،

تشجيع الطالب على اتخاذ قرارات مناسبة لعمره بدل اتخاذها عنه.

▪️نداء تربوي:

إنّ المدرسة التي لا تعلّم الطالب كيف يقود ذاته، تتركه تابعًا لعالم سريع لا يرحم. فالأمم لا تُبنى بالمتعلمين التابعين، بل بالمتعلمين القادرين على قيادة ذواتهم قبل قيادة غيرهم.

إنّ التعلّم المستدام والقيادة الشخصية ليسا مهارتين إضافيتين، بل جوهر التربية المعاصرة، وأساس بناء جيل واعٍ، مبتكر، ومسؤول.

? القاعدة الذهبية:

أن تعلّم الطالب كيف يتعلّم وكيف يقود نفسه، هو أعظم استثمار تربوي يضمن أثرًا باقيًا في حياته وحياة مجتمعه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/14 الساعة 21:45