النجار تكتب: الطلاق كظاهرة اجتماعية.. قراءة في الأسباب والنتائج

عبير النجار
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/14 الساعة 12:13
ما نعيشه اليوم من كثرة الطلاق ليس صدفة، ولا قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لانهيار المعاني الحقيقية للزواج، وسقوط المسؤولية، وغياب المرجع الذي كان يحمي البيوت من الانهيار.

في زمنٍ مضى، لم يكن الطلاق خيارًا سهلًا، لأن هناك رجالًا بحق، آباءً كانت كلمتهم ميزانًا، وحكمتهم باب نجاة. كان الأب مرجعًا فعليًا، إذا تدخّل أنهى الخلاف بكلمة واحدة، لا صراخ فيها ولا إهانة؛ كلمة تُقال فتُغلق أبواب الفتنة، ويعود البيت آمنًا.

أمّا اليوم، فغاب هذا الدور، وغاب معه الاحترام، فبات كل خلافٍ مشروعَ طلاق.

الحقيقة المؤلمة التي لا بدّ من قولها: لم يبقَ من الرجال إلا القليل.

كان الرجل إذا دخل بيته حضر معه النظام، والهيبة، والطمأنينة. لا فوضى، ولا تجاوز، ولا ضياع أدوار. وكانت المرأة تُحسن التربية، وتُجيد الاحتواء، وتحافظ على بيتها، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها واعية بمعنى الأسرة ودورها الحقيقي فيها.

اليوم، يدخل كثير من النساء الزواج دون استعدادٍ حقيقي لتحمّل أعبائه، ودون قدرة كافية على التعامل مع الأطفال أو ضغوط الحياة. والحق يُقال: الخلل لا يقع على المرأة وحدها، بل على غياب التربية السليمة. فلم تعد كثير من الأمهات يُربّين بناتهنّ على الصبر، والشراكة، وتحمل المسؤولية، بل على الهروب عند أول اختبار.

ولا يمكن إغفال سببٍ جوهريٍّ آخر يقف خلف تفشّي الطلاق، وهو الغياب الواضح للدين عن تفاصيل الحياة الزوجية. لم يعد كثيرون يحتكمون إلى مبادئه، ولا يقفون عند حدوده، ولا يستحضرون معنى العهد الذي أُخذ باسم الله. صار الزواج عند البعض عقدًا اجتماعيًا هشًّا، لا ميثاقًا غليظًا، تُكسَر بنوده عند أول خلاف، وتُهمَل فيه القيم التي كانت تضبط السلوك وتُهذّب النفس. ومع ابتعاد الناس عن الدين في أخلاقهم ومعاملاتهم، ضعفت الأمانة، وسهل الظلم، وغاب الصبر، فكان الطلاق نتيجة طبيعية لمسارٍ خالٍ من الضوابط والوازع الداخلي.

ولا يمكن إنكار أن الخيانة أصبحت واقعًا متكررًا، وهي في جوهرها نتيجة لانعدام القيم، وضعف الضمير، وسهولة كسر العهد، دون إدراكٍ لحجم الخراب الذي تخلّفه في النفوس والبيوت.

والأخطر من ذلك كله، ما بدأنا نسمعه ونراه من تخلّي بعض الآباء أو الأمهات عن أطفالهم.

قبل فترة، سُمِع عن امرأة تخلّت عن أطفالها، وصرّحت بأنها لا تشعر بأنهم يحبّونها كما يحبّون والدهم. مشهدٌ صادم، لا يُعبّر عن أزمة زواجٍ فقط، بل عن أزمة إنسانية وأخلاقية عميقة.

أنا تربّيت على يد أم كانت تقول لي دائمًا:

(( مهما كانت الظروف، لا تتخلّي عن أطفالك، فهم أحوجُ ما يكونون إليك قبل أيّ شيء ))

وعندما سمعت بتلك الحادثة، تمنّيت أن تبتلعني الأرض من شدّة القهر.

أين الأُمومة؟

وأين الآباء الذين يتخلّون عن أبنائهم، أو يتهرّبون من النفقة والمسؤولية؟

إلى أيّ دركٍ وصلنا؟

وأقولها بكل فخرٍ وامتنان:

أشكر والدي، الرجل الذي كان يحلّ أعقد القضايا بكلمة واحدة، كلمة صادرة عن حكمة، وعدل، وخبرة حياة.

وأشكر أمي، التي ربّتني على مبادئ الحياة؛ على الصبر، والاحترام، وتحمل المسؤولية، وعلى فهم معنى الزواج قبل الإقدام عليه، ومعنى الأسرة قبل المطالبة بحقوقها.

ولا أنسى كلمة والدي التي ما زلت أؤمن بها حتى اليوم:

(( لا يكون الطلاق إلا في الأمور الجسيمة التي تستحيل معها العِشرة ))

أمّا ما دون ذلك، فحياة تُدار بالحكمة، لا بالهروب.

فالطلاق ليس بطولة، ولا انتصارًا، بل خسارة حين يكون سببه ضعفًا لا ضرورة.

وإصلاح هذا الواقع يبدأ من البيت؛ من أبٍ حاضر، وأمٍ واعية، وتربيةٍ تُنبت رجالًا ونساءً يدركون أن الزواج مسؤولية مستمرة، لا محطة مؤقتة تُغادر عند أول تعب.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/14 الساعة 12:13