العتوم يكتب: التعلم بالنمذجة.. سيف ذو حدين

ا.د. عدنان العتوم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/14 الساعة 11:18
يعد التعلم بالنمذجة من أكثر الموضوعات أهمية وإثارة لاهتمام الباحثين في مختلف التخصصات ولذلك ظهرت العديد من النظريات التي تحاول تفسير عملية التعلم في المواقف الحياتية المختلفة وخاصة التربوية والاجتماعية منها. ولان هذه النوع من التعلم هو سيف ذو حدين، فأما ان تؤدي النمذجة الى تعلم إيجابي ومفيد او تعلم سلوكيات سلبية وغريبة تنعكس سلبا على الفرد والمجتمع.

ولضمان حدوث التعلم الفعال يجب توفير نماذج ايجابيه من اجل تقليدها، لان المستقبل للنماذج قد يقلد بعض ما يراه يشبع حاجاته ودوافعه بصرف النظر عما إذا كان هذا السلوك ايجابي أم سلبي لان الإنسان ليس فقط كائن اجتماعي يعيش ضمن مجموعات من الأفراد يتفاعل معها ويؤثر ويتأثر فيها بل وهو "كائن عالمي" ويتابع ويرى ما يحدث بالعالم لحظة بلحظة بعد دخول الانترنت الى كل بيت. وبذلك فهو يلاحظ سلوكيات الآخرين (النماذج) ويعمل على الاستفادة منها من خلال الملاحظة والتقليد، وقد يعمل على إعادة صياغة تلك الأنماط السلوكية وتحويرها على نحو معين اعتمادا على مستوى الدافعية، والذكاء، والخبرات السابقة، والحالة النفسية التي يعيشها. وقد يحدث التعلم بالنمذجة بصورة فردية أو بصورة جماعية اذا كانوا يتشاركون القيم نفسها والأهداف المشتركة فيما بينهم.

ماذا- ولماذا- ومتى- ومن نقلد؟

1- نحن نقلد السلوكيات الجذابة وذات القيمة لنا وأحيانا الممنوعة حسب رواية "الممنوع مرغوب".

2- نحن نقلد لإشباع حاجاتنا او للفت نظر الاخرين نحونا.

3- نحن نقلد عندما نشعر ان لدينا الثقة الذاتية للنجاح (دافعية ذاتية).

4- نحن نقلد عادة المشاهير وذوي القيمة العالية، اعتمادا على عمر المقلد وثقافته، فقد يكون الأخ الاكبر او الاب او الام او المعلم او مشاهير الفن (عادل أمام) والرياضة (رونالدو) وحتى اعلام الكرتون (سبونج بوب) والألعاب الالكترونية (فورتنايت).

وحتى ينجح التعلم بالتقليد يجب ان تتحقق الشروط الاتية:

1- الانتباه للنموذج ولخصائصه الجذابة.

2- أن يتذكر الأنشطة أو النماذج بحرية اذ لا يمكن اجبار الفرد على التقليد.

3- لتقليد أي نمط سلوكي يجب أن يتوفر لدى الفرد عوامل دافعة داخلية كالحوافز والمكافئات التي يتخيلها الفرد من عملية النمذجة.

4- مدى التوافق بين سلوك النموذج وبين القيم السائدة والمحددات الثقافية والاجتماعية والدينية والأخلاقية للفرد والمجتمع.

أن نجاح او فشل التقليد لا يتأثر كثيرا بالشرط الأول او الثاني وانما المشكلة تكمن في الشرط الثالث والرابع. فعندما تتوفر نماذج جذابة، ويكون هنالك غياب للفائدة الواضحة من النموذج، او ان النموذج يتعارض مع المنظومة القيمية والأخلاقية فان مصير هذه النماذج الفشل. فعلى سبيل المثال، إذا عوقب الصادق واتهم الأمين فان أي نماذج للصدق والامانة لن تجدي نفعا تماما مثل عندما ينصحك طبيبك المدخن بترك التدخين. اما إذا كانت النماذج أكثر تكرارا، وتتوافق مع منظوماتنا القيمية والأخلاقية وحاجاتنا النفسية والاجتماعية، فان ذلك يساعد كثيرا في توجيه الفرد نحو تجربتها. ومثال ذلك عندما تعزز نماذج التعاون والتطوع والانتماء والصدق والأمانة امام الاخرين. والقضية الأخرى التي تضمن الدافعية الذاتية للتقليد مرتبطة بتوافق خصائص النموذج مع خصائص مقدم النموذج لان الموقف يتطلب منا ان نكون متوافقين ومنسجمين مع هذه النماذج قبل ان نتوقع من الاخرين نمذجتها لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾،2، سورة الصف. فاذا كانت اقوال المعلم او الاب او المسؤول مخالفة لأفعالهم، فكيف سيكون لهم أي تأثير إيجابي على غيرهم؟

أن التعلم بالملاحظة يتطلب توفر فرص التفاعل مع النماذج، وقد يكون هذا التفاعل مباشراً كما هو الحال في المواقف الحياتية اليومية أو الغرفة الصفية، أو غير مباشر من خلال الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي الخارجية. وفي التفاعل المباشر قد يسهل ضبطه وتوجيهه ولكن الصعوبة تكمن أكثر في التفاعل غير المباشر الذي يأتي غالبا من وسائل في غاية الخطورة لأنها غالبا غير واقعية، ويصعب ضبطها، وهي غالبا ترتبط بعادات وسلوكيات لا تنسجم مع ثقافة المجتمع ومعاييره ومنظومته القيمية، كما نرى بين الحين والأخر في شوارعنا واسواقنا، وحتى جامعتنا، الكثير من النماذج السلبية التي تنحدر من الخارج كظهور المفردات والتعبيرات اللفظية الغريبة، وموضات اللبس والشعر الغريبة، ومظاهر العنف المجتمعي، وتشحيط السيارات وغيرها. ولذلك فان مناهجنا المدرسية والجامعية بحاجة الى توفير النماذج الإيجابية التي توفر فرص هذا النوع من التعلم وانه يقع على عاتقنا كمعلمين واباء وأمهات وقادة ومؤثرين اجتماعيا ودينيا ان نوفر النماذج القدوة والنماذج المثالية التي تتوافق مع افعالنا ومنظوماتنا القيمية والاجتماعية والدينية والثقافية لقوله تعالى "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" 21-سورة الأحزاب، ونضع أكبر عدد من الضوابط وحملات التوعية لتحصين لفئة الأطفال والشباب في استخدام التكنولوجيا حتى لا يبقى الباب الخارجي مفتوحا بدون قيود.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/14 الساعة 11:18