القيسي يكتب: الشك دائما لمصلحة المتهم والمجتمع

جمال القيسي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/14 الساعة 10:38
تُعد قاعدة «الشك يُفسَّر لمصلحة المتهم» من الركائز الجوهرية للعدالة الجنائية، وترتبط ارتباطا مباشرا بمبدأ "قرينة البراءة" وعبء الإثبات الملقى على عاتق جهة الادعاء؛ فالقانون الجزائي، بطبيعته الخطيرة على الحرية والمصير، لا يُجيز إدانة إنسان إلا إذا قامت القناعة القضائية على اليقين لا على الظن أو الاحتمال.

وتتجلى أهمية هذه القاعدة بوضوح في قضايا تعاطي المخدرات المرتبطة بالشباب، ولا سيما طلبة الجامعات، أولئك الذين دخلوا الحياة الجامعية بلا سوابق جرمية ولا نية إجرامية، فوجدوا أنفسهم في تماسٍّ مع شبكات ترويج منظمة تستثمر في حداثة السن وقلة الخبرة وضغوط البيئة الاجتماعية. وفي مثل هذه القضايا، يغدو الحذر القضائي واجبا مضاعفا، منعا لتحويل الخطأ العارض إلى مسار عقابي دائم.

ومن الناحية القانونية، لا تقوم المسؤولية الجزائية إلا بتوافر الركنين المادي والمعنوي معا بثبوتٍ لا يرقى إليه الشك. وعليه، فإن أي شك في العلم بطبيعة المادة المخدرة، أو في الحيازة الفعلية، أو في قصد التداول أو الترويج، هو شك جوهري يتعيّن تفسيره لمصلحة المتهم، لا تجاوزه بالتوسع في الاستنتاج أو تحميل الوقائع ما لا تحتمل، خاصة عندما يكون المتهم غض العمر بلا سوابق أو ارتباط بشبكات الترويج.

وقد استقر الفقه والاجتهاد الجزائي على قاعدة واضحة مفادها أن الدليل الجنائي متى تسرّب إليه الشك سقطت حجيته؛ لأن الأحكام الجزائية لا تُبنى إلا على الجزم واليقين. فالدليل المشوب بالريبة أو الغموض لا يصلح أساسا لإدانة تمسّ الحرية والمستقبل، وتكدر صفو أسرة وتقض مضجعها.

وفي هذا السياق، تميّز السياسة الجنائية الرشيدة بين "التعاطي" بوصفه سلوكا يحتاج إلى علاج وتأهيل، وبين الترويج والاتجار بوصفهما أفعالا منظمة تهدد الأمن المجتمعي. إن الخلط بين هذين المستويين لا يخدم العدالة ولا يحمي المجتمع، بل يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها توسيع دائرة السجون وإنتاج حالات إجرامية جديدة بدل الحد منها.

ولا يُعد اللجوء إلى بدائل العقوبة في هذه الحالات خروجا على هيبة القانون، بل تطبيقا واعيا لوظيفته؛ فالعقوبة التي تُنهي مستقبل شاب دون ضرورة قانونية مُلحّة تثير تساؤلا مشروعا حول مدى انسجامها مع فلسفة العدالة، التي لا تهدف إلى الانتقام، بل إلى الوقاية والإصلاح.

إن الدولة، وهي تمارس سلطتها الجزائية، تتحمل مسؤولية قانونية وثقافية تجاه شبابها. ففي القضايا التي تتعلق بطلبة جامعات بلا سوابق، تلقّفتهم شبكات ترويج منظمة، يصبح واجب الدولة أن تنظر إليهم باعتبارهم ضحايا ظروف وشبكات لا مجرمين محترفين؛ فالدولة العادلة لا تقيس نجاحها بعدد الداخلين إلى السجون، بل بقدرتها على إعادة الشباب إلى الجامعات والحياة وحماية مستقبلهم وتجفيف منابع الجريمة الحقيقية. وهنا، يغدو تطبيق قاعدة الشك لمصلحة المتهم تعبيرا عن عدالة واثقة بنفسها، تدرك أن حماية المجتمع لا تتحقق بقمع أبنائه، بل بإنقاذهم من أنفسهم قبل أن تكسر أرواحهم السجون.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/14 الساعة 10:38