المحافظ العتوم: حين تُقاس الإدارة بأثرها لا بضجيجها.. ستتعب من يخلفك

مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/13 الساعة 18:56
مدار الساعة- محمد قديسات - في لحظةٍ تقترب فيها ولاية السيد رضوان عتوم، محافظ إربد، من نهايتها، يصبح من المشروع سياسيًا – بل من الضروري – التوقف عند التجربة، لا بدافع المجاملة، بل بوصفها حالة إدارية تستحق القراءة والتفكيك. فالدولة لا تتقدّم بتبدّل الأشخاص، بل بتراكم التجارب، وما يُترك خلف المسؤول أهمّ مما يُقال عنه أثناء وجوده في المنصب.

ما ميّز تجربة عتوم لم يكن وفرة الخطاب ولا الحضور الإعلامي، بل هدوء الإدارة، وهي قيمة نادرة في زمن تُقاس فيه الإنجازات بالصوت العالي لا بالأثر المتراكم. في محافظة معقّدة كإربد، ذات ثقل سكاني واقتصادي وخدمي، برز نمط إدارة يقوم على توازنٍ دقيق بين سلطة القانون وحساسية الواقع الاجتماعي، وهو توازن غالبًا ما تفشل فيه الإدارات حين تنحاز لأحد الطرفين على حساب الآخر.

سياسيًا، يمكن القول إن المحافظ العتوم نجح في إعادة تعريف دور الحاكم الإداري من كونه منفّذًا جامدًا للتعليمات، إلى فاعلٍ إداري يقرأ السياق ويتعامل مع المجتمع لا بوصفه عبئًا أمنيًا، بل شريكًا في الاستقرار. هذا التحوّل، وإن بدا تقنيًا، إلا أنه في جوهره سياسي؛ لأنه يعكس فهمًا للدولة باعتبارها منظومة ثقة لا منظومة ضبط فقط.

أما على مستوى الحاكميّة الرشيدة، فقد ظهرت التجربة في احترام التسلسل المؤسسي، وضبط العلاقة مع البلديات، والمجتمع المحلي، والقطاعات المختلفة، دون استعراض نفوذ أو تصعيد مفتعل. وهنا تحديدًا تتجلى قيمة التجربة: السلطة حين تُمارَس بهدوء تصبح أكثر فاعلية، وحين تُدار بعقلانية تُقلّل من كلفة الصدام على الدولة والمجتمع معًا.

لكن الأهم سياسيًا ليس ما أنجزه الرجل، بل ما يتركه خلفه. فالمسؤول الذي يجعل من يخلفه “يتعب” ليس ذاك الذي يترك فوضى، بل ذاك الذي يرفع سقف التوقعات، ويجعل الأداء الجيد هو الحدّ الأدنى لا الاستثناء. وهنا تكمن المفارقة: النجاح الحقيقي في الإدارة العامة لا يُقاس بمدى الراحة أثناء المنصب، بل بمدى صعوبة الحفاظ على مستواه بعد مغادرته.

في الخلاصة، لا يمكن قراءة تجربة رضوان عتوم خارج سياق الدولة الأردنية التي تبحث، في هذه المرحلة، عن إدارة محلية قادرة على تحقيق الاستقرار دون إنهاك، والضبط دون تغوّل، والإنجاز دون ضجيج. هي تجربة لا تُقدَّس، لكنها تُدرَس، لأنها تذكّرنا بأن الحاكميّة الرشيدة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية صامتة، لا يلتفت إليها الناس إلا حين تغيب. وسط تريد عبارة على السنة الكثيرين فحواها "ستتعب من يخلفك"
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/13 الساعة 18:56