التل يكتب: في نهج ولي العهد… البيئة ليست تفصيلاً

المحامي محمد مروان التل
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/12 الساعة 12:02
منذ تولّيه مهامه، قدّم الأمير الحسين بن عبد الله الثاني نموذجًا مختلفًا في أداء الدور العام، نموذجًا لا يقوم على الخطاب وحده، بل على الاقتراب من الناس، والانخراط في التفاصيل، وربط الرؤية الوطنية بالواقع اليومي للمواطن، وخصوصًا فئة الشباب. هذا النهج العملي لم يتجلَّ في الشعارات، بل في مقاربة شاملة لملفات تمس حياة الناس مباشرة، من التعليم والاقتصاد، إلى البيئة وجودة الحياة، بوصفها عناصر مترابطة في بناء دولة حديثة.

ما يميّز نهج ولي العهد هو إيمانه بأن الشباب الأردني ليس عبئًا ديمغرافيًا، بل طاقة كامنة إذا أُحسن توجيهها تحوّلت إلى رافعة تنموية حقيقية. لذلك جاء حضوره الدائم في اللقاءات الشبابية، ومتابعته للمبادرات الريادية، ورسائله المتكررة التي تؤكد أن المستقبل لا يُنتظر بل يُصنع بالعمل والمعرفة والمهارة. وهو إيمان تُرجم عمليًا عبر التركيز على بناء الشخصية الوطنية، وتعزيز قيم الانضباط والمسؤولية، باعتبارها أساسًا لأي مشروع تنموي مستدام.

في هذا السياق، تبرز إعادة تفعيل خدمة العلم بوصفها محطة وطنية وتربوية مهمة في مسار تمكين الشباب، لا باعتبارها التزامًا عسكريًا فحسب، بل تجربة تصقل الشخصية، وتعزز روح المواطنة، وترسخ قيم الالتزام والعمل الجماعي والانتماء. فالشاب الذي يختبر معنى النظام والمسؤولية العامة، يصبح أكثر وعيًا بدوره في المجتمع، وأكثر حرصًا على احترام المكان، والمدينة، والمرافق العامة، والبيئة المحيطة به، بما في ذلك النظافة والسلوك الحضري.

البيئة، هنا، لا تُطرح كترف خدمي أو ملف ثانوي، بل كجزء أصيل من منظومة تحسين جودة الحياة. فالمدينة النظيفة ليست مجرد شوارع خالية من النفايات، بل فضاء عام يعكس صورة الدولة، ويؤثر في المزاج العام للمواطن، وفي ثقته بالمؤسسات، وفي شعوره بالكرامة والانتماء. وحين تُدار هذه التفاصيل بعقلية وطنية، تتحول النظافة إلى ثقافة عامة، لا مجرد حملة موسمية.

وتتجاوز انعكاسات هذا الملف الجانب الجمالي إلى أبعاد اقتصادية واضحة. فالاستثمار والسياحة يبحثان عن بيئة منظمة، مستقرة، ونظيفة. ولا يمكن الحديث عن جذب استثمار أو تعزيز تنافسية المدن الأردنية دون بنية حضرية تحترم المعايير البيئية، وتعكس صورة حضارية قادرة على استقطاب رأس المال والزائر معًا. من هنا، يصبح تبنّي رؤية بيئية واضحة جزءًا من السياسة الاقتصادية، لا منفصلًا عنها.

توجيهات ولي العهد في هذا المجال، والتي تُرجمت مؤخرًا عبر تحركات حكومية وبرامج تنفيذية واضحة، تؤكد أن الاهتمام بنظافة الأماكن العامة واجب ديني وأخلاقي، وعنصر محوري في دعم قطاعات اقتصادية حيوية، وعلى رأسها السياحة، وأن التحديات الاقتصادية والإقليمية لا ينبغي أن تشكل ذريعة لتهميش القضايا اليومية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

هذا الفهم ينسجم مع رؤية سموه الأوسع في التعليم والاقتصاد. ففي قطاع التعليم، برز اهتمام سموه بإعادة الاعتبار للتعليم التقني والمهني بوصفه حلقة وصل بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وفي الاقتصاد ركّز سموه على الريادة والابتكار والتحول نحو اقتصاد منتج قائم على الصناعة والتكنولوجيا، لا على الاستهلاك والوظائف التقليدية. وهي مسارات لا تنفصل عن بناء مدن صحية، نظيفة، وقادرة على احتضان هذا التحول.

إن تجربة الأمير الحسين كولي للعهد تقدّم رسالة واضحة مفادها أن الدولة القوية لا تُبنى بالقرارات الكبرى وحدها، بل بالاهتمام اليومي بالتفاصيل التي تصنع حياة الناس، وأن الثقة تُبنى حين يشعر المواطن، وخاصة الشاب، أنه شريك في القرار، لا مجرد متلقٍ لنتائجه. وهو نهج يعكس فهمًا عميقًا لتحديات المرحلة، ورهانًا واعيًا على الإنسان الأردني باعتباره الثروة الأهم والأبقى.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/12 الساعة 12:02