محمود زياد أبو غنيمة (1964 - 2022): رحيل الفارس الهادئ...

د. احمد زياد ابو غنيمة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/11 الساعة 00:41
لم يكن رحيل اخي الأكبر المهندس الزراعي محمود أبو غنيمة في ١١ / ١ / ٢٠٢٢؛ مجرد غياب لشخصية نقابية بارزة، بل كان رحيلاً لرمز من رموز الأخلاق والترفع، وفارس نقابي وإنساني نبيل، ورجلاً أثبت أن القيادة هي "خدمة ومحبة" قبل أن تكون "منصباً وجاهاً".

*****

يمثل شقيقي الحبيب المهندس الزراعي محمود زياد أبو غنيمة رحمه الله، امتداداً طبيعياً لمدرسة "زياد أبو غنيمة" التي زاوجت بين العلم والسياسة والعمل التطوعي، ولكنه في مسيرته المهنية، استطاع أن يفكّك تعقيدات العمل النقابي بأسلوبه الهادئ وقدرته الفائقة على بناء الجسور، حتى أصبح علامة فارقة في تاريخ نقابة المهندسين الزراعيين الأردنيين.

*****

مدرسة "أبو زياد": الحكمة والاتزان...

ورث محمود عن والدنا الحبيب (المؤرخ زياد أبو غنيمة) "القلم الصادق" والحضور السياسي الوازن، ولكنه صقل ذلك بشخصية "المهندس" الرصين الذي يزن الأمور بميزان الدقة.

• المنزلة الاجتماعية: يُعرف عنه في الأوساط الأردنية دماثة الخلق والقدرة على إدارة الأزمات بـ "دبلوماسية ناعمة" لا تتنازل عن الثوابت.

• الانفتاح: حافظ على علاقات متوازنة مع كافة أطياف المجتمع النقابي والسياسي، مما جعله مرجعاً في "الحوار الوطني النقابي".

*****

الإجماع التاريخي: "النقيب بالتزكية"...

تعتبر اللحظة الأبرز في مسيرته هي فوزه بمنصب نقيب المهندسين الزراعيين بالتزكية في دورته الأولى، في بيئة نقابية أردنية معروفة بشدة منافستها واستقطابها السياسي الحاد، كان صعود محمود أبو غنيمة بالتزكية بمثابة "شهادة ثقة" نادرة عكست احتراماً عابراً للتيارات.

• الدلالة: لم تكن التزكية مجرد فوز انتخابي، بل كانت تعبيراً عن حالة من "الإجماع الوطني والمهني" على شخصّية تجمّع ولا تفرّق، وتضع مصلحة المهنة فوق الحسابات الحزبية والسياسية الضيقة، وفوزه نقيباً بالإجماع كان سابقة في تاريخ نقابة المهندسين الزراعيين، وشهادة على أن نزاهته كانت أكبر من أي استقطاب سياسي، فهو الذي وضع أسساً للعمل النقابي المهني الذي يخدم العضو دون النظر لانتمائه.

*****

الصراع الشجاع: دروس في الصبر...

واجه فقيدنا الغالي مرض السرطان بشجاعة قلّ نظيرها وبإيمان عميق، لم يزده المرض إلا تقرباً من الله ومن محبيه على امتداد الوطن وإصراراً على العطاء حتى الرمق الأخير.

كان صراعه مع المرض "درساً في الكبرياء"، حيث ظل محتفظاً بابتسامته المعهودة وتفاؤله، ما جعل محبيه يستلهمون منه القوة.

*****

"نعي الآلاف": شهادة شعبية...

عندما غيبه الموت في مطلع عام 2022، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بآلاف المحبين من كافة الأطياف:

• نقابيون من كل التيارات: بكاه الرفيق والمنافس، اعترافاً بنزاهته وعدله.

• المزارع والمهندس البسيط: كان صوته دائماً منحازاً لهؤلاء، فبادلوه الوفاء في يوم رحيله.

• المجتمع الأردني بأسره: عكست الجنازة المهيبة - دون وجود بيت للعزاء بسبب جائحة كورونا - حجم الاحترام لعائلتنا الغالية "أبو غنيمة" ولدور محمود تحديداً في لمّ الشمل وإصلاح ذات البين.

*****

الإرث الإنساني: صاحب "القلب الكبير"...

بعيداً عن الألقاب، كان محمود أبو غنيمة هو "الأخ الكبير" لكل من عرفه، تميز بدماثة الخلق، والصدق في الكلمة، والقدرة المذهلة على امتصاص الخلافات وتحويلها إلى نقاط تلاقي.

"غاب "أبو زياد" جسداً، لكنه ترك خلفه مدرسة في " اخلاق الفرسان" و "أدب الاختلاف" و"شرف الخدمة"، وبقيت ذكراه عطرة كأرض الأردن التي عشقها وأمضى حياته يدافع عن خُضرتها ومهندسيها وترابها.

***

رحمه الله رحمة واسعة، وألهمنا وأسرته ومحبيه الاوفياء الصبر والسلوان.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/11 الساعة 00:41