مساعدة يكتب: كوكب خارج المدار
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/09 الساعة 16:50
في السياسة، كما في الأدب، لا تُقاس القيمة بطول النص، ولا تُقاس الجدية بعدد الأسئلة. فالسؤال الجيد يشبه السهم: واحدٌ يكفي إذا أُحسن التصويب، أما الرشق العشوائي فلا يصيب هدفًا مهما كثر.
وحين تُطرح الأسئلة دفعة واحدة، وبكثافة لافتة، فإن الانطباع الأول لا يكون الإعجاب بالحرص، بل التساؤل عن توقيت هذا الحرص، وعن طبيعة هذا الهبوب المفاجئ في الخطاب الرقابي. فالرقابة ليست فعلًا انفعاليًا، بل ممارسة مستمرة، ومن يتذكرها فقط عند اشتعال الخلاف، يكون أقرب إلى تسجيل موقف سياسي منه إلى بناء سياسة عامة.
المشهد الأخير لم يكن صراعًا بين حق وباطل، بل مواجهة بين أسلوبين في إدارة الخلاف:
أسلوب يرفع الصوت، ويستدعي العناوين السهلة، ويخاطب المشاعر أكثر مما يخاطب العقل؛ وأسلوب آخر يراهن على الهدوء، والعمل، والصبر على سوء الفهم، إدراكًا أن الدولة لا تُدار بالانفعالات.
السياسة بطبيعتها حوار واختلاف وردود، ومن لا يحتمل توصيفًا سياسيًا عاديًا، لا يمكنه أن يحتمل العمل العام طويلًا. فالمطالبة باعتذار عن كلمة قيلت في سياق مساءلة، تنقل النقاش من ميدان الأفكار إلى ميدان المشاعر، حيث يخسر الجميع.
وحين تُطالَب اللغة بالاعتذار، بينما تُترك السياسات بلا مراجعة، فهذه ليست حماية للكرامة، بل هروب من النقاش الحقيقي.
أما إطلاق الأحكام الجاهزة، من قبيل أن جهة ما "تعمل على كوكب آخر"، فهو تعبير جذاب للإعلام وللشعبوية، لكنه ضعيف في ميزان السياسة.
السخرية قد تُضحك الناس، لكنها لا تُقنع العقل، ولا تُصلح خللًا، ولا تُنصف جهدًا. النقد الحقيقي لا يبدأ بالإلغاء، بل بالفهم، ولا يتغذى على التعقيد، بل على التفكيك.
في الجهة المقابلة، كان الهدوء حاضرًا. والهدوء في زمن الانفعال فضيلة سياسية. فمن يعمل يعرف أن الإنجاز لا يدخل في مشادة، بل يبقى. أما الاتهام، فهو سلعة رخيصة، متاحة للجميع، ولا تحتاج إلى خبرة ولا إلى مسؤولية.
القضايا الكبرى، مثل كرامة الإنسان والعمل اللائق، لا تُدار بمنطق المواجهة، ولا تُحمَّل لطرف واحد، ولا تُختزل في مشهد غضب. هي مسار طويل تشترك فيه الدولة كلها: تشريعًا، وتنفيذًا، وثقافة. ومن الظلم ـ بل من العجز الفكري ـ أن نبحث لها عن ضحية، بدل أن نبحث لها عن حلول.
حين تتحول الرقابة إلى استعراض، تصبح عبئًا على الدولة لا حماية لها.
وحين يتقدم الصراخ على التحليل، يتراجع الإصلاح خطوة إلى الوراء.
الخلاصة بسيطة، وإن كانت مؤلمة:
الدول لا تتقدم بكثرة الأسئلة، بل بجودة الأسئلة.
ولا تضعف بالنقد، بل بسوء استخدامه.
ولا تسقط من الحوار، بل من تحوّله إلى استعراض.
لسنا على كوكب آخر، لكننا نقترب أحيانًا من مدار الصراخ والانفعال، وحينها لا نحتاج إلى أصوات أعلى، بل إلى عقول أهدأ، وقليل من الحكمة… وكثير من شجاعة العمل.
وحين تُطرح الأسئلة دفعة واحدة، وبكثافة لافتة، فإن الانطباع الأول لا يكون الإعجاب بالحرص، بل التساؤل عن توقيت هذا الحرص، وعن طبيعة هذا الهبوب المفاجئ في الخطاب الرقابي. فالرقابة ليست فعلًا انفعاليًا، بل ممارسة مستمرة، ومن يتذكرها فقط عند اشتعال الخلاف، يكون أقرب إلى تسجيل موقف سياسي منه إلى بناء سياسة عامة.
المشهد الأخير لم يكن صراعًا بين حق وباطل، بل مواجهة بين أسلوبين في إدارة الخلاف:
أسلوب يرفع الصوت، ويستدعي العناوين السهلة، ويخاطب المشاعر أكثر مما يخاطب العقل؛ وأسلوب آخر يراهن على الهدوء، والعمل، والصبر على سوء الفهم، إدراكًا أن الدولة لا تُدار بالانفعالات.
السياسة بطبيعتها حوار واختلاف وردود، ومن لا يحتمل توصيفًا سياسيًا عاديًا، لا يمكنه أن يحتمل العمل العام طويلًا. فالمطالبة باعتذار عن كلمة قيلت في سياق مساءلة، تنقل النقاش من ميدان الأفكار إلى ميدان المشاعر، حيث يخسر الجميع.
وحين تُطالَب اللغة بالاعتذار، بينما تُترك السياسات بلا مراجعة، فهذه ليست حماية للكرامة، بل هروب من النقاش الحقيقي.
أما إطلاق الأحكام الجاهزة، من قبيل أن جهة ما "تعمل على كوكب آخر"، فهو تعبير جذاب للإعلام وللشعبوية، لكنه ضعيف في ميزان السياسة.
السخرية قد تُضحك الناس، لكنها لا تُقنع العقل، ولا تُصلح خللًا، ولا تُنصف جهدًا. النقد الحقيقي لا يبدأ بالإلغاء، بل بالفهم، ولا يتغذى على التعقيد، بل على التفكيك.
في الجهة المقابلة، كان الهدوء حاضرًا. والهدوء في زمن الانفعال فضيلة سياسية. فمن يعمل يعرف أن الإنجاز لا يدخل في مشادة، بل يبقى. أما الاتهام، فهو سلعة رخيصة، متاحة للجميع، ولا تحتاج إلى خبرة ولا إلى مسؤولية.
القضايا الكبرى، مثل كرامة الإنسان والعمل اللائق، لا تُدار بمنطق المواجهة، ولا تُحمَّل لطرف واحد، ولا تُختزل في مشهد غضب. هي مسار طويل تشترك فيه الدولة كلها: تشريعًا، وتنفيذًا، وثقافة. ومن الظلم ـ بل من العجز الفكري ـ أن نبحث لها عن ضحية، بدل أن نبحث لها عن حلول.
حين تتحول الرقابة إلى استعراض، تصبح عبئًا على الدولة لا حماية لها.
وحين يتقدم الصراخ على التحليل، يتراجع الإصلاح خطوة إلى الوراء.
الخلاصة بسيطة، وإن كانت مؤلمة:
الدول لا تتقدم بكثرة الأسئلة، بل بجودة الأسئلة.
ولا تضعف بالنقد، بل بسوء استخدامه.
ولا تسقط من الحوار، بل من تحوّله إلى استعراض.
لسنا على كوكب آخر، لكننا نقترب أحيانًا من مدار الصراخ والانفعال، وحينها لا نحتاج إلى أصوات أعلى، بل إلى عقول أهدأ، وقليل من الحكمة… وكثير من شجاعة العمل.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/09 الساعة 16:50