ابو الراغب يكتب: هروب الخميني من إيران

المحامي طارق ابو الراغب
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/09 الساعة 00:50
ليس الهروب حدثًا زمنيًا، بل تحوّل أنطولوجي؛ لحظة تفقد فيها الفكرة قدرتها على ادّعاء الاستمرار، ويعجز الرمز عن إقناع الواقع بأنه ما زال صالحًا للحكم. وهروب الخميني من إيران لا يُقاس بخروج شخص، ولا بانكفاء مرشد، بل بانتهاء الشرعية الرمزية لمشروعٍ قام على مصادرة الدولة باسم العقيدة، ومصادرة المجتمع باسم الثورة.

لقد نشأت الجمهورية الإسلامية لا كدولة حديثة، بل كـ سلطة تأويل: تأويل للدين، وتأويل للتاريخ، وتأويل للمستقبل. وحين تتحول السلطة إلى تفسيرٍ مغلق، يصبح الخلاف خيانة، ويغدو السؤال تهديدًا، ويُعاد تعريف الوطن بوصفه منصة لا غاية.
حين انفصلت الدولة عن معناها


المأزق الإيراني لم يكن اقتصاديًا في جوهره، ولا سياسيًا في شكله الظاهر، بل وجوديًا في بنيته العميقة. فالدولة التي تُدار بعقل “الرسالة” لا ترى في المواطن إلا وقودًا، ولا ترى في الداخل إلا هامشًا يمكن التضحية به لصالح الخارج.

وهكذا، جرى استبدال مفهوم العدالة الاجتماعية بمفهوم “الواجب العقائدي”، واستُبدلت التنمية بـ النفوذ، وتحولت السيادة من عقدٍ مع الشعب إلى امتدادٍ فوق الجغرافيا. في تلك اللحظة تحديدًا، بدأ الغروب: حين لم يعد الإيراني يرى نفسه في الدولة، ولم تعد الدولة ترى نفسها في المجتمع.


المنظور العربي: الخراب بوصفه سياسة


من منظور عربي خالص، فإن تجربة إيران لم تكن خلافًا سياسيًا، بل صدامًا مع فكرة الدولة الوطنية ذاتها. فحيثما دخلت إيران، خرجت الدولة ضعيفة، والمجتمع منقسمًا، والسياسة منزوعًا عنها معناها.

في العراق، لم يُستبدل الاستبداد بالسيادة، بل استُبدل المركز بالفوضى المنظمة.

في سوريا، لم يُنقذ النظام، بل أُطيل عمر الحرب حتى فقدت البلاد ذاكرتها.

في اليمن، لم تُستعاد الدولة، بل جرى تعليق التاريخ في حرب بلا أفق.

وفي لبنان، لم تُحمَ المقاومة، بل شُلّت الدولة باسمها.

النتيجة واحدة: تفكيك الدولة دون بناء بديل، وإفراغ السياسة من بعدها المدني، وتحويل المجتمعات إلى حقول اختبار لمشاريع لا تعيش إلا في الصراع.


الميليشيا: نفي السياسة


أخطر ما أنتجته التجربة الإيرانية ليس السلاح، بل شرعنة السلاح خارج الدولة. فالميليشيا ليست قوة عسكرية فحسب، بل فكرة مضادة للدولة، تقوم على الولاء لا على القانون، وعلى العقيدة لا على المواطنة.

وحين تصبح الميليشيا شريكًا للدولة، تفقد الدولة سبب وجودها، ويتحوّل الوطن إلى مساحة نزاع دائم، لا إلى كيان جامع. وهنا لا تنتصر المقاومة، بل ينهزم المجتمع.

الإسلام السياسي بين التوريط والعزلة

لقد جرى توظيف بعض التنظيمات الإسلامية لا بوصفها شركاء، بل بوصفها أدوات تأزيم. فتم دفعها إلى صراعات تفوق بنيتها، وربطها بمحاور عزلتها عن عمقها العربي والإسلامي، حتى تحولت من فاعل اجتماعي إلى عبء سياسي.


والأخطر أن هذا التوريط لم يسقط هذه التنظيمات وحدها، بل أصاب فكرة العمل السياسي الإسلامي برمتها، وعمّق الفجوة بينها وبين مجتمعاتها.

السابع من أكتوبر: انكسار السردية

لم تكن أحداث السابع من أكتوبر مجرد واقعة، بل اختبارًا للسرديات الكبرى. وقد أظهرت أن كثيرًا مما قُدِّم بوصفه مشروع تحرير، كان في جوهره إدارة دائمة للصراع، تُراكم المأساة ولا تفتح أفقًا.

هنا، انكشف الفرق بين الفعل السياسي والفعل العبثي، بين من يقاتل من أجل وطن، ومن يوظف الدم في بازار الإقليم.


الهروب لا يُدار… بل يُعاش


هروب الخميني من إيران هو هروب فكرة حكمٍ فقدت اتصالها بالواقع، ولم تعد قادرة على إنتاج معنى مقنع للحياة، لا في الداخل الإيراني، ولا في الفضاء العربي.

فحين تفقد الدولة أخلاقها المدنية، وتستبدل العقد الاجتماعي بعقيدة فوق وطنية، فإنها لا تسقط دفعة واحدة، بل تغيب ببطء… كما تغيب الشمس حين لا يعود الأفق يعترف بها.

ومن منظور عربي، فإن نهاية هذا المسار ليست انتصارًا على إيران كشعب، بل تحرر للمنطقة من مشروع حوّل أوطانها إلى ساحات، وشعوبها إلى وقود، والدولة إلى ظل.

فالتاريخ لا يُسقط الدول فقط… والهروب سواء كان فعليا ام مجازا يكون له نفس النتيجه@

مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/09 الساعة 00:50