بداية عام بنكهة الهمة الهاشمية؛ الملك والملكة وولي العهد

أ.د محمد الفرجات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/08 الساعة 19:28
مع مطلع عام جديد، لا يبدو الأردن في حالة انتظار أو ترقّب، بل في حالة فعل وحضور. هكذا اعتاد الأردنيون دولتهم حين تقودها الهمة الهاشمية؛ قراءة دقيقة للمشهد الدولي، اشتباك ذكي مع الفرص، ورسائل محسوبة للعالم بأن الأردن، رغم ثقل الجغرافيا وضجيج الإقليم، ما زال رقماً صعباً في معادلة الاستقرار والسياسة والعقلانية.

في يوم واحد، قدّم الأردن نموذجاً مكثفاً لهذه المقاربة:

قمة أردنية – أوروبية رفيعة المستوى بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني وبحضور سمو ولي العهد، تؤسس لمرحلة شراكة أعمق مع الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت ذاته زيارة ميدانية للملكة رانيا العبد الله والأميرة سلمى إلى وادي رم، تعيد تسليط الضوء على أحد أعمدة الاقتصاد الوطني: السياحة النوعية ذات القيمة العالية.

الملك وولي العهد: تثبيت الدور لا استعراضه:

انعقاد أول قمة من نوعها بين الأردن والاتحاد الأوروبي في عمّان ليس حدثاً بروتوكولياً، بل تحول سياسي محسوب التوقيت. فالأردن، الذي لطالما كان صوت الاعتدال في إقليم مضطرب، يدخل العام الجديد وهو يطالب بشراكات لا تقوم على الدعم فقط، بل على المصالح المتبادلة والاحترام السياسي والدور الوظيفي الحقيقي.

حديث جلالة الملك لم يكن خطاب مجاملات؛ بل إعادة تأكيد على ثوابت أردنية واضحة:

أمن المنطقة لا يتحقق دون حل عادل للقضية الفلسطينية.

الاستقرار لا يُشترى، بل يُبنى بالعدالة والتنمية.

الأردن شريك موثوق، لكنه أيضاً دولة ذات كلفة سياسية واقتصادية عالية نتيجة موقعها ودورها.

أما حضور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني في القمة، فحمل دلالة تتجاوز الشكل؛ إنه إشراك واعٍ للجيل القادم في هندسة العلاقات الدولية، وترسيخ لصورة قيادة شابة تفهم لغة العالم الجديد: الاقتصاد، الابتكار، الطاقة، والتحول الرقمي، دون التفريط بالثوابت السياسية.

القمة، بمخرجاتها، ترسل رسالة مزدوجة:

للأوروبيين بأن الأردن شريك استقرار طويل الأمد،

وللداخل الأردني بأن السياسة الخارجية ليست معزولة عن التنمية وفرص العمل والاستثمار.

الملكة والأمبرة سلمى… حين تكون السياحة قراراً سيادياً:

بالتوازي مع السياسة، كانت هناك رسالة أخرى لا تقل أهمية: الاقتصاد الحقيقي يبدأ من الأرض.

زيارة جلالة الملكة رانيا العبد الله والأميرة سلمى إلى وادي رم لم تكن نزهة ملكية، بل فعل ترويجي ذكي ومدروس.

وادي رم ليس مجرد موقع طبيعي خلاب؛ هو:

منتج سياحي عالمي.

موقع تراث عالمي.

مختبر مفتوح للسياحة البيئية، الفلكية، والمغامرات.

رافعة اقتصادية لمجتمعات محلية قادرة على الإنتاج إذا أُحسن تمكينها.

اختيار وادي رم في هذا التوقيت يعكس فهماً عميقاً لتحولات السياحة العالمية؛ حيث يبحث السائح اليوم عن التجربة، الأصالة، والاستدامة، لا عن الاكتظاظ والفنادق النمطية.

الملكة، من خلال تفاعلها مع العاملين في القطاع، قدّمت نموذجاً مختلفاً:

سياحة تُدار بالعقل، تُسوّق بالصورة، وتُبنى بالشراكة مع المجتمع المحلي، لا على حسابه.

وجود الأميرة سلمى في الزيارة يحمل أيضاً رسالة مستقبلية: الاستثمار في الصورة الذهنية للأردن يبدأ من الجيل الجديد، ويُخاطب جيلاً عالمياً يرى في الأردن تجربة لا مجرد محطة.

الأردن: دولة تفهم لحظتها

ما يجمع بين القمة السياسية والزيارة السياحية ليس الصدفة، بل المنهج.

منهج يرى أن:

السياسة الخارجية يجب أن تُترجم إلى فرص اقتصادية.

السياحة ليست قطاعاً هامشياً، بل ركيزة سيادية.

الصورة الذهنية للأردن لا تقل أهمية عن الاتفاقيات.

في بداية هذا العام، بدا واضحاً أن الأردن لا يرفع سقف الخطاب، بل يرفع مستوى الفعل.

قيادة تتحرك على أكثر من مسار، بعين على الإقليم، وأخرى على الداخل، وثالثة على المستقبل.

تلك هي نكهة الهمة الهاشمية:

هدوء في الشكل، عمق في القرار، واستمرار في العمل… مهما تبدلت الفصول...
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/08 الساعة 19:28