العتوم يكتب: أوكرانيا ما بعد الحرب

د. حسام العتوم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/08 الساعة 14:53
حتى لا يذهب القاريء بعيدا و بداية ، الروس و الأوكران اخوة و جيران ، لا بل أكثر من ذلك يعيشون حياة واحدة في الداخل الروسي و الأوكراني ، و بينهم مصاهرة و حسب و نسب ، و يتصفون بالطيبة و الكرم و حب الضيف . و شخصيا زرت العاصمة ( كييف ) في زمن بدايات دراستي للماجستير في الإعلام في مدينة فارونيج جنوب العاصمة موسكو قبل دراستي للدكتوراة فيها ، وكان ذلك في منتصف ثمانينات القرن الماضي ، و شاهدتها جميلة في زمن جبروت الاتحاد السوفيتي ،و لازلت أتردد على مدينة روسوش وسط محافظة فارونيج بحكم النسب ، وهي المدينة المصنفة من الدرجة الثالثة و المحتاجة لبنية تحتية أفضل تليق بسمعة روسيا في العالم . و سكان المدينة و قراها يتحدثون الروسية و الروسية المخلوطة بالأوكرانية ، حيث يسكن المسكلاي ( الروس ) جنبا إلى جنب الخخول ( الأوكران ) ، و يتقاسمون رغيف الخبز معا .

وهكذا أرادت روسيا الاتحادية العظمى في زمن قيادتها للبناء السوفيتي لجارتها أوكرانيا التي تصفها تحببا بروسيا الصغيرة . فلقد انضمت أوكرانيا للاتحاد السوفيتي عام 1922 ، ولم تكن تملك (القرم و الدونباس ) الموقع الجغرافي الاستراتيجي بالنسبة للسوفييت و الروس تحديدا ،و للدول المستقلة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، ولم تكن تملك السلاح النووي من دون قرار سوفيتي و روسي ، وهو الأمر الذي سحب منها وفقا لاتفاقية استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية لا علاقة لها بتفاصيل العلاقة بين أوكرانيا و روسيا على مستوى المساحة الجغرافية . و أوكرانيا اخترعها فلاديمير لينين كما نعرف لأسباب زراعية ، و كلمة ( أوكرانيا ) تعني باللغة الروسية المناطق في الاطراف ، وفي عام 1954 حرك نيكيتا خروتشوف ( الأوكراني الأصل ) اقليم القرم تجاه أوكرانيا بحثا عن مخرج مائي ، و لتحسين الاقتصاد . و المعروف هو بأن الأسطول الروسي يرسو في شواطئه منذ عام 1783 ، و أصبح روسيا عام 1918 ، و يرسو في مدينة سفاستوبل هناك . وهو استراتيجي بالنسبة لروسيا ، لكنه ليس الوحيد ،و قوة النار النووية الروسية التي تتربع على المركز رقم 1 عالميا لا تعتمد عليه لوحده ، فلدى روسيا ترسانة نووية و غيرها عملاقة ، ومنها بحرية ، و فضائية .

و شهد عام 1991 بعد انفكاك الاتحاد السوفيتي بالقرار رقم 142 ، استقلال أوكرانيا كما بقية الدول المستقلة و اعتراف الأمم المتحدة بها و بهم مع الأخذ بعين الاعتبار اتفاقية انهيار الاتحاد السوفيتي التي اشترطت الحياد على الدول المستقلة ، و عدم الذهاب لعقد تحالفات عسكرية معادية وفي مقدمتها ( الناتو ) ، و ذهبت روسيا لاحقا في عام 2000 و في عهد الرئيس فلاديمير بوتين الطلب من الولايات المتحدة الأمريكية في عهد بيل كلينتون طلب عضوية ( الناتو) للجم سبق التسلح و الحرب الباردة ، بعكس مارغب به نظام( كييف) في عهد فلاديمير زيلينسكي بالانضمام للناتو لتهديد أمن روسيا جارة التاريخ . ووافقت روسيا على منح استقلال أوكرانيا ( القرم و الدونباس ) شريطة عدم التغريد خارج سرب الدول المستقلة و في مقدمتها روسيا ، و يحتفل الروس و السوفييت ( الدول المستقلة ما عدا أوكرانيا ) كل عام بتاريخ 9 أيار بعيد النصر على الفاشية الألمانية عبر عرض عسكري مهيب في الساحة الحمراء – ميدان قصر الكرملين الرئاسي و أضرحة زعماء و بناة الاتحاد السوفيتي .

ولم تبدأ روسيا الحرب الأوكرانية ، وهي حقيقة ، و راقبت مشهد الثورات البرتقالية (الأصلاحية) الأوكرانية في الأعوام التي سبقت انقلاب ( كييف ) عام 2014 ،و اكتشفت مبكرا اختراق اللوجستيا البريطانية في عهد باريس جونسون ، و الأمريكية في عهد جو بايدن لهما ، بهدف جر أوكرانيا ليس تجاه الاتحاد الأوروبي فقط ، و هو المسموح به من قبل الدول المستقلة وفي مقدمتها روسيا ، و لكن تجاه ( الناتو) ، و هو الممنوع عليها ، و الخط الأحمر بالنسبة لروسيا و لهم . وعملت اللوجستيا الغربية على تشجيع ( كييف ) على ضم شرق و جنوب أوكرانيا قسرا ، و على معاقبة الرافضين لأنقلاب ( كييف) وسط المكون الأوكراني و الروسي ، و التسبب في مقتل الاف ، و تشريد غيرهم ، و بهدف السماح للغرب بالتحرش بسيادة روسيا ،و تمكينه من نشر قوته العسكرية صوب الحدود الروسية . وهو المستحيل في قاموس العسكرة الروسية . فجاء قرار العملية العسكرية الخاصة وسط الرئاسة الروسية جماعيا ، و لم ينفرد به الرئيس بوتين كما تشيع ماكنة إعلام و سياسة الغرب . و ارتكزت روسيا في مجالها على مادة ميثاق الأمم المتحدة رقم 571 التي تسمح بالدفاع عن السيادة ، و كل جانب روسي أوكراني يعتقد بأن القانون الدولي جاء لينصف موقفه بطبيعة الحال . و رفعت روسيا لأنجاح عمليتها عام 2022 شعار التحرير و ليس الاحتلال ، و الدفاع عن مكونهم الروسي و حتى عن الأوكران ، في زمن تمتلك فيه روسيا أكبر مساحة جغرافية في العالم .

وحققت روسيا نجاحات كبيرة فوق الطاولة الرملية ، و لازالت تحقق ، فتمكنت من تحرير أكثر من 5000 كلم و300 بلدة ، و هي مصممة على مغادرة أخر جندي أوكراني منطقة الدونباس المتلاصقة مع منطقة لوغانسك وسط الدونباس ،و إلى جانب القرم . و لم يتمكن الغرب مجتمعا ، و الذي يقوده الاتحاد الأوروبي حاليا و ليس أمريكا ترامب من تحرير شبرا واحدا مما حررته روسيا منذ اندلاع الحرب .ولم تستطع فعل الشيء ذاته في عهد جو بايدن ، و صرف الغرب من خزائنه المالية أكثر من 500 مليار دولار ، و أعلن مؤخرا الاتحاد الأوروبي عن اقتراض 90 مليار دولار اضافية لنفس الغاية ، و سجلوا معا فشلا ذريعا ، فسيادة أوكرانيا منحت لها أصلا من قبل الاتحاد السوفيتي و روسيا القائد ،و ما يرغب به الاتحاد الأوروبي ، هو السيطرة على استقلال أوكرانيا بعد استخدام زيلينسكي طعما لسنارتهم السامة . و فشل الاتحاد الأوروبي في استخدام الوديعة المالية الروسية في الغرب ، في بلجيكا و غيرها بقوة القانون الروسية . و فشل ، و سيبقى يفشل في الطلب من روسيا دفع تعويض مالي لأوكرانيا مقابل حرب لم تبدأها .

روسيا لازالت جاهزة لمنح ( كييف ) فرصة سلام لإجراء استفتاء يضفي على نظامها السياسي الشرعية من أجل توقيع سلام دائم تقبل به روسيا و أوكرانيا معا . وعملية التطاول الأوكرانية الأخيرة على مقر الرئيس بوتين تزامنا مع رغبة موسكو بتجهيز أرضية للسلام العادل المنشود ، كانت غبية ، و غير مكانها و زمانها ،ووضعت العصي في دواليب السلام نفسه ، و الظاهر بأن قياصرة الاتحاد الأوروبي هم من يحركون العبيد الأوكران في الجناح الغربي . و بغير السلام تبقى روسيا ماضية في التحرير لتحقيق أهداف عمليتها العسكرية الخاصة التي تشكل سدا منيعا بوجه زحف الناتو شرقا تجاه الحدود الروسية . وما تريده روسيا هو سلام الأمر الواقع المنتصر ، و أكرر هنا بأنها لم تبدأ الحرب ، و لم تكن تريدها ، و الأغنية الروسية التاريخية العريقة " هل يرغب الروس بالحرب ؟ وهي التي كتبها في الحرب العالمية الثانية الشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو ، و أجاب فيها قطعا لا .

يصر زيلينسكي في المقابل ، اليهودي الأوكراني المعروف ، فنان الكوميديا بالأمس الذي أعلن وقتها حبه لروسيا ، على وضع كل بيض عاصمة غرب أوكرانيا ( كييف ) بسلة الاتحاد الأوروبي الذي يشجعه على التخريب ، و على المساهمة كما الاتحاد نفسه على تشويه صورة التقارب الروسي – الأمريكي المزعج لهم . ولقد خسرت كييف أكثر بكثير من المال الغربي الذي أهدرته في الفساد ، لقد خسرت جنودها الشباب و بنسبة مئوية تفوق أضعاف خسارة روسيا وسط جنودها وتعادل 1- 10 بسبب احتراف الجيش الروسي . وفي الختام هنا ، أقول ، بأن روسيا التي حركت صناديق اقتراعها أولا ،و عمليتها العسكرية ثانيا ، ماضية في بناء عالم متعدد الأقطاب يشمل شرق و جنوبه ، و تكون أمريكا حليفة له ، و الاتحاد الأوروبي لاحقا في عمق الزمن القادم ،وهو المرشح للإنقسام إلى دويلات .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/08 الساعة 14:53