الذهب الأزرق: الصراع العالمي على محركات الذكاء الاصطناعي في الأمازون
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/07 الساعة 15:03
مدار الساعة -في تمام الساعة الثانية من فجر السبت 3 يناير 2026، انطلقت العملية العسكرية الأمريكية الخاطفة المعروفة باسم "عملية العزم المطلق"، لم تكن سماء كاراكاس مضاءة ببرق استوائي، بل بوميض 150 طائرة مقاتلة ومروحيات "بلاك هوك" تابعة لـ "فرقة دلتا" التي أطبقت حصاراً خانقاً على قصر "ميرافلوريس" الرئاسي.
وبينما كانت أنباء اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس تتصدر شاشات العالم، كان ثمة سباق آخر يُحسم في صمت تحت ظلال أشجار الأمازون في ولاية "بوليفار"؛ سباق لتأمين "القوس التعديني"، المخزن السري لمفاتيح السيادة الرقمية العالمية.
لقد أثبتت الساعات الأولى لعام 2026 أن العالم لم يعد يُدار ببراميل النفط، بل بذرات الكولتان والثوريوم التي انتزعتها واشنطن من قبضة بكين وموسكو بضربة خاطفة.
ومع ظهور الرئيس دونالد ترامب من "مارالاغو" ليعلن صراحةً أن الولايات المتحدة ستتولى "إدارة" هذه الكنوز، دخلنا رسمياً عصر "دبلوماسية الكولتان"؛ تلك المقايضة الكبرى التي تمنح فنزويلا وعوداً بالاستقرار، مقابل رهن سيادتها المعدنية لتكون الوقود الحصري لمحركات الذكاء الاصطناعي الأمريكي، في مشهد يعيد رسم خارطة النفوذ العالمي من "جيوسياسية الحدود" إلى "جيوسياسية العناصر النادرة".
وتكشف التحليلات المقربة من دوائر صنع القرار في " مارالاغو، " المقر الخاص لدونالد ترامب: هي الملكية الخاصة بالرئيس السابق دونالد ترامب، حيث اشتراها في الثمانينيات وحولها إلى نادي خاص، وأصبحت مقره الرئيسي لإقامته وإدارة أعماله السياسية بعد مغادرته البيت الأبيض أن نوايا ترامب تتجاوز مجرد التوريد؛ فهو يسعى لتأسيس "كارتل تكنولوجي" تقوده واشنطن، يفرض من خلاله شروطاً قاسية على الحلفاء والخصوم على حد سواء للوصول إلى هذه التقنيات.
هذا الخطاب عزز المخاوف الدولية مما وصفه المحللون بـ "عقيدة ترامب للموارد"، والتي تقوم على مبدأ "التأميم الخارجي"، أي فرض السيادة الأمريكية المباشرة على منابع الثروة في الخارج لتأمين التفوق المطلق والنهائي لشركات مثل "تسلا"، "أبل"، و"إنفيديا"، وتحويل أي منافسة دولية في مجال الذكاء الاصطناعي إلى معركة خاسرة سلفاً أمام الآلة الصناعية الأمريكية.
لم يكتفِ الرئيس دونالد ترامب بإعلان نجاح العملية العسكرية في كراكاس واعتقال نيكولاس مادورو، بل كشف صراحةً عن نوايا واشنطن تجاه مستقبل الثروات الفنزويلية.
ففي مؤتمر صحفي عقده في مارالاغو مطلع يناير 2026، أكد ترامب أن الولايات المتحدة "ستدير" شؤون فنزويلا والموارد الطبيعية فيها حتى يتم الانتقال إلى سلطة جديدة، مشدداً على أن "أكبر شركات النفط الأمريكية" ستدخل لإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة واستخراج الثروات "التي سُرقت منا سابقاً".
تعتبر منطقة قوس أورينوكو التعديني، التي تبلغ مساحتها حوالي 12% من مساحة فنزويلا، حجر الزاوية في الصراع الدولي الحالي؛ حيث أكدت تقارير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) والبيانات الفنية المحدثة مطلع يناير 2026، أن المنطقة تضم احتياطيات هائلة من العناصر الأرضية النادرة تُقدر بنحو 300 ألف طن متري.
كسر الاحتكار
وتتراوح القيمة السوقية لهذه المعادن، الضرورية لصناعات الذكاء الاصطناعي والمغناطيسات الفائقة، بين 200 و500 مليار دولار. كما تضم المنطقة مخزونات من الكولتان (الذهب الأزرق) تبلغ 35 ألف طن، وهو عنصر حيوي لا غنى عنه في إنتاج الرقائق الإلكترونية المتقدمة وبطاريات السيارات الكهربائية لشركات مثل تسلا وإنفيديا.
وفيما يخص الثروات المعدنية التقليدية والنووية، تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي ذهب في أمريكا اللاتينية يُقدر بـ 8,000 طن، بقيمة سوقية تتجاوز 500 مليار دولار، وفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي وتقارير "إل باييس" الصادرة مؤخراً.
كما تبرز أهمية الثوريوم كوقود لمفاعلات الجيل الرابع النووية التي تسعى واشنطن لتأمينها لتشغيل مراكز البيانات الضخمة.
بالإضافة إلى ذلك، تضم البلاد 340 مليون طن من النيكل ونحو 14.6 مليار طن من خام الحديد، مما يضعها في المرتبة الثانية عالمياً من حيث احتياطي الحديد، وهو ما يعزز من قدرة الولايات المتحدة على كسر الاحتكار الصيني لسلاسل توريد المعادن النادرة بنسبة تصل إلى 25%.
وعلى صعيد الطاقة، تؤكد بيانات منظمة أوبك ووكالة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) أن فنزويلا تتربع على عرش الطاقة العالمي باحتياطي نفطي مؤكد يبلغ 303 مليار برميل (17% من الاحتياطي العالمي)، و6.3 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي. ورغم أن الإنتاج الحالي يقترب من مليون برميل يومياً، إلا أن خطة "عقيدة ترامب للموارد" تهدف لرفع الإنتاج إلى 3.5 مليون برميل خلال خمس سنوات عبر استثمارات أمريكية مباشرة.
وتعتبر واشنطن هذه الثروات ضمانة أساسية لتغطية تكاليف "عملية العزم المطلق" وتسوية الديون الخارجية التي بلغت 190 مليار دولار، مما يضمن سيادة اقتصادية وتكنولوجية مطلقة للولايات المتحدة في مواجهة المنافسين الدوليين.
وتهدف استراتيجية ترامب، التي أشار إليها تقرير الأمن القومي لعام 2025 تحت مسمى "ملحق ترامب" (Trump Corollary) لمبدأ مونرو، إلى فرض سيادة اقتصادية تضمن بقاء الموارد الاستراتيجية في النصف الغربي من الكرة الأرضية تحت النفوذ الأمريكي.
وقد صرح ترامب بوضوح: "لن نسمح للصين أو روسيا بالسيطرة على هذه الثروات بعد الآن"، في إشارة إلى إنهاء العقود والاتفاقيات التي أبرمها النظام السابق مع بكين وموسكو بشأن النفط والمعادن الحرجة.
هذا التوجه يعزز ما يصفه المحللون بـ "أمن الموارد القومي"، حيث تسعى إدارة ترامب لتأمين إمدادات الليثيوم، الكوبالت، والمعادن الأرضية النادرة الضرورية لصناعات الذكاء الاصطناعي والبطاريات (مثل تسلا وإينفيديا).
والهدف هو جعل فنزويلا ركيزة أساسية في سلاسل التوريد الأمريكية، مما يضمن تفوق الآلة الصناعية للولايات المتحدة في مواجهة المنافسة الدولية، مع اشتراط "الولاء السياسي" مقابل السماح للشركات الأجنبية (غير الصينية والروسية) بالوصول إلى هذه الموارد.الذهب الأزرق
تتبنى الإدارة الأمريكية حالياً استراتيجية تهدف إلى تأمين سلاسل توريد المعادن الاستراتيجية في فنزويلا كجزء من خطة أمن قومي لتقليل الاعتماد على الأسواق الآسيوية، خاصة بعد العملية العسكرية التي نفذتها القوات الأمريكية في كراكاس في 3 يناير 2026 وأدت لاعتقال نيكولاس مادورو.
الجيل السادس
ووفقاً للبيانات الصادرة عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) في مطلع هذا الشهر، تم تحديد مناطق غنية بمعادن الكولتان والعناصر الأرضية النادرة في جنوب فنزويلا، والتي تعتبر حيوية لصناعة رقائق الذكاء الاصطناعي وبنية الجيل السادس
(6G). وتسعى واشنطن من خلال شركاتها الكبرى لتأمين اتفاقيات استخراج تضمن أولوية التوريد للصناعة الأمريكية، معتبرة أن هذه الموارد، التي تقدر قيمتها بنحو 100 مليار دولار وفقاً لمؤشرات "مورنينغ ستار"، تمثل بديلاً استراتيجياً يكسر الاحتكار الصيني بنسبة تصل إلى 25%.
وفي سياق متصل، تشير مذكرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) والتحليلات الصادرة عن مؤسسة IHS Markit في 5 يناير 2026، إلى أن الاهتمام الأمريكي يتجاوز قطاع النفط التقليدي ليشمل استغلال احتياطيات الثوريوم الضخمة، كوقود للمفاعلات النووية المصغرة التي ستغذي مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
هذا التوجه يعكس رؤية البيت الأبيض في تحويل فنزويلا إلى "خزان استراتيجي" للموارد الفائقة، حيث أعلن الرئيس دونالد ترامب صراحة أن الولايات المتحدة ستتولى "إدارة" هذه الثروات لضمان عدم تكلف الخزينة سنتاً واحداً من تكاليف العمليات، مما يضع واشنطن في موقع قيادي ضمن سباق السيادة التقنية العالمية لعام 2026.
"تظل فنزويلا نقطة ارتكاز حاسمة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية، ليس فقط بسبب احتياطيات النفط التقليدية، بل لموقعها ضمن 'درع غويانا' الغني بالمعادن الاستراتيجية.
وتتبنى دوائر صنع القرار في واشنطن، خاصة التوجهات القومية، رؤية تعتبر أن استمرار النفوذ الصيني والروسي في قطاع التعدين الفنزويلي يشكل عائقاً أمام تأمين سلاسل توريد التكنولوجيا الأمريكية.
فالهدف الاستراتيجي الحقيقي هو ضمان الوصول إلى معادن مثل الكولتان والذهب والعناصر الأرضية النادرة، التي تدخل في صناعة الإلكترونيات المتقدمة، وذلك ضمن سياسة 'الاستقلال التكنولوجي' التي تهدف لتقليل الارتهان للمصادر الآسيوية.
وادي السيليكون
وعلى الصعيد الفلسفي والسياسي، يبرز انقسام حاد؛ حيث يرى أقطاب التكنولوجيا في وادي السيليكون أن تأمين هذه الموارد يمثل ضرورة أخلاقية واقتصادية لحماية الابتكار الغربي وضمان تفوق الشركات الأمريكية في سباق الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، يحذر مفكرون ونقاد سياسيون من أن تحويل قضية الموارد إلى صراع قوى عظمى قد يؤدي إلى استنزاف ثروات الشعوب النامية تحت غطاء الأمن القومي، مما يضع المنطقة أمام تحديات سيادية كبرى توازن بين الحاجة للاستثمار الأجنبي وبين الحفاظ على الملكية الوطنية للموارد الاستراتيجية."السيولة المعدنية
وعلى الصعيد الاقتصادي، أدت هذه التطورات إلى قفزة فورية في أسهم شركات النفط الأمريكية الكبرى بنسبة تصل إلى 10%، خاصة شركة شيفرون التي تعتبر المستفيد الأكبر نظراً لوجودها المسبق في فنزويلا. وبرر الرئيس ترامب هذه العملية بضرورة تأمين "النصف الغربي من الكرة الأرضية" والسيطرة على ثروات فنزويلا الهائلة من النفط والمعادن لتعويض تكاليف العملية العسكرية، وهو ما وصفه بـ "ملحق ترامب" لمبدأ مونرو.
وفي المقابل، نددت نائبة الرئيس الفنزويلي، ديلسي رودريغيز، بالعملية ووصفتها بأنها "اختطاف وإجرام"، بينما حذرت الأمم المتحدة من عواقب انتهاك السيادة الوطنية، في ظل استمرار حالة الغموض حول من سيقود المرحلة الانتقالية في كاراكاس.
أثارت التحركات الأمريكية الأخيرة في فنزويلا ردود فعل حادة من جانب بكين، حيث أصدرت وزارة الخارجية الصينية سلسلة بيانات وصفت فيها "عملية العزم المطلق" بأنها "أعمال هيمنة صارخة" تنتهك سيادة الدول والقانون الدولي. وخلال مؤتمر صحفي عُقد في بكين يوم الاثنين 5 يناير 2026، طالب المتحدث باسم الوزارة، لين جيان، بالإفراج الفوري عن نيكولاس مادورو وزوجته، واصفاً احتجازهما بأنه "عملية اختطاف" غير قانونية.
وفي سياق الدفاع عن الاستثمارات الصينية التي تتجاوز 60 مليار دولار، شددت بكين على أن عقودها في قطاعي النفط والتعدين محمية دولياً، مؤكدة رفضها القاطع لتهديدات الرئيس ترامب بإلغاء الاتفاقيات القائمة.
كما تحركت الدبلوماسية الصينية، بدعم من وزير الخارجية وانغ يي، لطلب اجتماع طارئ في مجلس الأمن الدولي، محذرة من أن التصرفات الأمريكية تمثل "سابقة خطيرة" تهدف لفرض نظام "الشرطي العالمي"، وهو ما تراقبه بكين عن كثب لضمان حماية مصالحها الاستراتيجية في منطقة الكاريبي.
الاستيلاء القسري"
تعتبر موسكو السيطرة الأمريكية المباشرة على "قوس أورينوكو" التعديني تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية، حيث تمتلك شركات روسية استثمارات ضخمة وعقوداً للتنقيب عن الذهب والماس والوقود النووي (الثوريوم) في جنوب فنزويلا.
وفي تصريح لوزارة الخارجية الروسية حذرت موسكو من أن "الاستيلاء القسري" على هذه الموارد يهدف إلى زعزعة استقرار سوق المعادن النادرة العالمي وتحويل فنزويلا إلى منطقة نفوذ حصرية تخدم صناعة الذكاء الاصطناعي الأمريكية فقط.
ويرى المحللون في معهد العلاقات الدولية بموسكو أن القلق الروسي يكمن في فقدان "أوراق الضغط" التي كانت توفرها الشراكة مع نظام مادورو، حيث كانت روسيا تعتمد على هذه المعادن لتأمين بدائل تقنية بعيداً عن الرقابة الغربية، وهو ما يفسر حدة الخطاب الروسي في مجلس الأمن ووصف العملية بأنها "نهب منظم لثروات الشعوب تحت غطاء حماية التكنولوجيا".
. و حذر الكرملين من أن واشنطن تسعى لاستخدام أسلوب "الترغيب والترهيب" لإجبار هذه الشركات على التنازل عن عقودها الطويلة الأمد في قوس أورينوكو، خاصة تلك المتعلقة بـ الذهب والثوريوم، مقابل وعود بحماية أصولها المادية.
وأكدت المذكرة الروسية أن أي محاولة لشركات التكنولوجيا الأمريكية (مثل شركات إنتاج البطاريات والرقائق) للاستيلاء على المواقع الروسية ستُقابل بـ "ردود قانونية وجيوسياسية حازمة"، مشددة على ضرورة "تجميد العمليات الميدانية" مؤقتاً لحين اتضاح المسار القانوني لمحاكمة مادورو في نيويورك، وذلك لضمان عدم شرعنه السيطرة الأمريكية على هذه الموارد الاستراتيجية التي تعتبرها روسيا "حقوقاً سيادية مكتسبة بموجب اتفاقيات دولية نافذة".
الاستثمارات الغربية
في أعقاب عملية "العزم المطلق"، كشفت تقارير من "قصر الإليزيه" والمستشارية الألمانية في برلين عن مقترح مشترك تم رفعه لإدارة ترامب تحت مسمى "مبادرة الشراكة الأطلسية للموارد الحرجة".
تهدف هذه المبادرة إلى تشكيل "كونسورتيوم" (تحالف شركات) يضم عملاقة التعدين والتكنولوجيا الأوروبية (مثل إيرباص وسيمنز وشركة Eramet الفرنسية)، ليعمل جنباً إلى جنب مع الشركات الأمريكية في قوس أورينوكو.
الحجة الأوروبية التي قادتها فرنسا وألمانيا هي أن استقرار فنزويلا يتطلب "تعدداً في الاستثمارات الغربية" لضمان عدم عودة النفوذ الصيني تحت أي غطاء مستقبلي، ولتأمين إمدادات الثوريوم والكولتان لصناعة السيارات الكهربائية الأوروبية التي تعاني من ضغوط المنافسة.
تعتمد برلين وباريس في مفاوضاتها مع واشنطن على ورقة "التكنولوجيا المستدامة"؛ حيث عرضت ألمانيا تقديم خبراتها المتقدمة في "التعدين الأخضر" والتقنيات الرقمية لإدارة المناجم (Mining 4.0)، وهي تقنيات تتفوق فيها الشركات الألمانية عالمياً، مقابل الحصول على حصص توريد مضمونة من العناصر الأرضية النادرة.
ويرى المحللون الاقتصاديون في "منتدى التعدين 2026" ببرلين أن هذا العرض هو محاولة ذكية من أوروبا لتجنب الصدام المباشر مع ترامب، وتحويل "عقيدة الموارد" الأمريكية من سياسة إقصائية إلى سياسة تكاملية تخدم "الكتلة الغربية" ككل في مواجهة بكين.
هيكلة جينية
خلف البريق البارد لرقائق السيليكون والوعود البراقة للذكاء الاصطناعي، يوثق تقرير "مجموعة الأزمات الدولية" المعنون بـ "لعنة الذهب" مأساة إنسانية صامتة لـ 150 ألف عامل يرزحون تحت وطأة ظروف عمل قسرية في مناجم الأمازون.
وفي مرافعة حقوقية مدوية، أكدت الدكتورة ماريان ديبوس، أستاذة العلوم السياسية بجامعة "باريس نانتير" والباحثة المتخصصة في نزاعات الموارد، ضمن تقريرها المرفوع للأمم المتحدة تحت عنوان "سيادة المعادن وحقوق الإنسان"، أن العالم المتقدم يبني "جنته الرقمية" بدم العمال الفنزويليين وعلى أنقاض غابات الأمازون التي تُباد بشكل منهجي.
وتوسعت ديبوس في تحليلها لتكشف عن نمط جديد من "العبودية التكنولوجية"، حيث يتم استنزاف الأجساد البشرية والنظم البيئية الهشة لتأمين المعادن اللازمة لتشغيل خوارزميات الغد.
إن ما يحدث مطلع عام 2026 هو "إعادة هيكلة جينية" للنفوذ العالمي في عصر ما بعد النفط. فمن يسيطر على ذرات الأرض في الأمازون الفنزويلي، يملك حق التوقيع على شهادة ميلاد أو وفاة السيادة الرقمية للقرن القادم.
إن الصراع المحتدم فوق رمال الأمازون ليس إلا إعلاناً رسمياً لولادة نظام عالمي جديد، تتوارى فيه الأيديولوجيات السياسية لتبرز مكانها "المادة الفتاكة" كحاكم وجلاد في آن واحد. و
في هذا المشهد القاتم، تتربع "الذرة" على العرش الجديد للقوة؛ فمن يمتلك سر المادة، يمتلك حق صياغة المستقبل، ومن يفقدها يجد نفسه مجرد مستهلك في هامش التاريخ الرقمي. وبذلك، يطوي العالم صفحة الصراع على الأرض، ليفتح فصلاً أكثر شراسة: الصراع على ماهية الوجود المادي للتكنولوجيا.
وبينما كانت أنباء اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس تتصدر شاشات العالم، كان ثمة سباق آخر يُحسم في صمت تحت ظلال أشجار الأمازون في ولاية "بوليفار"؛ سباق لتأمين "القوس التعديني"، المخزن السري لمفاتيح السيادة الرقمية العالمية.
لقد أثبتت الساعات الأولى لعام 2026 أن العالم لم يعد يُدار ببراميل النفط، بل بذرات الكولتان والثوريوم التي انتزعتها واشنطن من قبضة بكين وموسكو بضربة خاطفة.
ومع ظهور الرئيس دونالد ترامب من "مارالاغو" ليعلن صراحةً أن الولايات المتحدة ستتولى "إدارة" هذه الكنوز، دخلنا رسمياً عصر "دبلوماسية الكولتان"؛ تلك المقايضة الكبرى التي تمنح فنزويلا وعوداً بالاستقرار، مقابل رهن سيادتها المعدنية لتكون الوقود الحصري لمحركات الذكاء الاصطناعي الأمريكي، في مشهد يعيد رسم خارطة النفوذ العالمي من "جيوسياسية الحدود" إلى "جيوسياسية العناصر النادرة".
وتكشف التحليلات المقربة من دوائر صنع القرار في " مارالاغو، " المقر الخاص لدونالد ترامب: هي الملكية الخاصة بالرئيس السابق دونالد ترامب، حيث اشتراها في الثمانينيات وحولها إلى نادي خاص، وأصبحت مقره الرئيسي لإقامته وإدارة أعماله السياسية بعد مغادرته البيت الأبيض أن نوايا ترامب تتجاوز مجرد التوريد؛ فهو يسعى لتأسيس "كارتل تكنولوجي" تقوده واشنطن، يفرض من خلاله شروطاً قاسية على الحلفاء والخصوم على حد سواء للوصول إلى هذه التقنيات.
هذا الخطاب عزز المخاوف الدولية مما وصفه المحللون بـ "عقيدة ترامب للموارد"، والتي تقوم على مبدأ "التأميم الخارجي"، أي فرض السيادة الأمريكية المباشرة على منابع الثروة في الخارج لتأمين التفوق المطلق والنهائي لشركات مثل "تسلا"، "أبل"، و"إنفيديا"، وتحويل أي منافسة دولية في مجال الذكاء الاصطناعي إلى معركة خاسرة سلفاً أمام الآلة الصناعية الأمريكية.
لم يكتفِ الرئيس دونالد ترامب بإعلان نجاح العملية العسكرية في كراكاس واعتقال نيكولاس مادورو، بل كشف صراحةً عن نوايا واشنطن تجاه مستقبل الثروات الفنزويلية.
ففي مؤتمر صحفي عقده في مارالاغو مطلع يناير 2026، أكد ترامب أن الولايات المتحدة "ستدير" شؤون فنزويلا والموارد الطبيعية فيها حتى يتم الانتقال إلى سلطة جديدة، مشدداً على أن "أكبر شركات النفط الأمريكية" ستدخل لإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة واستخراج الثروات "التي سُرقت منا سابقاً".
تعتبر منطقة قوس أورينوكو التعديني، التي تبلغ مساحتها حوالي 12% من مساحة فنزويلا، حجر الزاوية في الصراع الدولي الحالي؛ حيث أكدت تقارير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) والبيانات الفنية المحدثة مطلع يناير 2026، أن المنطقة تضم احتياطيات هائلة من العناصر الأرضية النادرة تُقدر بنحو 300 ألف طن متري.
كسر الاحتكار
وتتراوح القيمة السوقية لهذه المعادن، الضرورية لصناعات الذكاء الاصطناعي والمغناطيسات الفائقة، بين 200 و500 مليار دولار. كما تضم المنطقة مخزونات من الكولتان (الذهب الأزرق) تبلغ 35 ألف طن، وهو عنصر حيوي لا غنى عنه في إنتاج الرقائق الإلكترونية المتقدمة وبطاريات السيارات الكهربائية لشركات مثل تسلا وإنفيديا.
وفيما يخص الثروات المعدنية التقليدية والنووية، تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي ذهب في أمريكا اللاتينية يُقدر بـ 8,000 طن، بقيمة سوقية تتجاوز 500 مليار دولار، وفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي وتقارير "إل باييس" الصادرة مؤخراً.
كما تبرز أهمية الثوريوم كوقود لمفاعلات الجيل الرابع النووية التي تسعى واشنطن لتأمينها لتشغيل مراكز البيانات الضخمة.
بالإضافة إلى ذلك، تضم البلاد 340 مليون طن من النيكل ونحو 14.6 مليار طن من خام الحديد، مما يضعها في المرتبة الثانية عالمياً من حيث احتياطي الحديد، وهو ما يعزز من قدرة الولايات المتحدة على كسر الاحتكار الصيني لسلاسل توريد المعادن النادرة بنسبة تصل إلى 25%.
وعلى صعيد الطاقة، تؤكد بيانات منظمة أوبك ووكالة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) أن فنزويلا تتربع على عرش الطاقة العالمي باحتياطي نفطي مؤكد يبلغ 303 مليار برميل (17% من الاحتياطي العالمي)، و6.3 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي. ورغم أن الإنتاج الحالي يقترب من مليون برميل يومياً، إلا أن خطة "عقيدة ترامب للموارد" تهدف لرفع الإنتاج إلى 3.5 مليون برميل خلال خمس سنوات عبر استثمارات أمريكية مباشرة.
وتعتبر واشنطن هذه الثروات ضمانة أساسية لتغطية تكاليف "عملية العزم المطلق" وتسوية الديون الخارجية التي بلغت 190 مليار دولار، مما يضمن سيادة اقتصادية وتكنولوجية مطلقة للولايات المتحدة في مواجهة المنافسين الدوليين.
وتهدف استراتيجية ترامب، التي أشار إليها تقرير الأمن القومي لعام 2025 تحت مسمى "ملحق ترامب" (Trump Corollary) لمبدأ مونرو، إلى فرض سيادة اقتصادية تضمن بقاء الموارد الاستراتيجية في النصف الغربي من الكرة الأرضية تحت النفوذ الأمريكي.
وقد صرح ترامب بوضوح: "لن نسمح للصين أو روسيا بالسيطرة على هذه الثروات بعد الآن"، في إشارة إلى إنهاء العقود والاتفاقيات التي أبرمها النظام السابق مع بكين وموسكو بشأن النفط والمعادن الحرجة.
هذا التوجه يعزز ما يصفه المحللون بـ "أمن الموارد القومي"، حيث تسعى إدارة ترامب لتأمين إمدادات الليثيوم، الكوبالت، والمعادن الأرضية النادرة الضرورية لصناعات الذكاء الاصطناعي والبطاريات (مثل تسلا وإينفيديا).
والهدف هو جعل فنزويلا ركيزة أساسية في سلاسل التوريد الأمريكية، مما يضمن تفوق الآلة الصناعية للولايات المتحدة في مواجهة المنافسة الدولية، مع اشتراط "الولاء السياسي" مقابل السماح للشركات الأجنبية (غير الصينية والروسية) بالوصول إلى هذه الموارد.الذهب الأزرق
تتبنى الإدارة الأمريكية حالياً استراتيجية تهدف إلى تأمين سلاسل توريد المعادن الاستراتيجية في فنزويلا كجزء من خطة أمن قومي لتقليل الاعتماد على الأسواق الآسيوية، خاصة بعد العملية العسكرية التي نفذتها القوات الأمريكية في كراكاس في 3 يناير 2026 وأدت لاعتقال نيكولاس مادورو.
الجيل السادس
ووفقاً للبيانات الصادرة عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) في مطلع هذا الشهر، تم تحديد مناطق غنية بمعادن الكولتان والعناصر الأرضية النادرة في جنوب فنزويلا، والتي تعتبر حيوية لصناعة رقائق الذكاء الاصطناعي وبنية الجيل السادس
(6G). وتسعى واشنطن من خلال شركاتها الكبرى لتأمين اتفاقيات استخراج تضمن أولوية التوريد للصناعة الأمريكية، معتبرة أن هذه الموارد، التي تقدر قيمتها بنحو 100 مليار دولار وفقاً لمؤشرات "مورنينغ ستار"، تمثل بديلاً استراتيجياً يكسر الاحتكار الصيني بنسبة تصل إلى 25%.
وفي سياق متصل، تشير مذكرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) والتحليلات الصادرة عن مؤسسة IHS Markit في 5 يناير 2026، إلى أن الاهتمام الأمريكي يتجاوز قطاع النفط التقليدي ليشمل استغلال احتياطيات الثوريوم الضخمة، كوقود للمفاعلات النووية المصغرة التي ستغذي مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
هذا التوجه يعكس رؤية البيت الأبيض في تحويل فنزويلا إلى "خزان استراتيجي" للموارد الفائقة، حيث أعلن الرئيس دونالد ترامب صراحة أن الولايات المتحدة ستتولى "إدارة" هذه الثروات لضمان عدم تكلف الخزينة سنتاً واحداً من تكاليف العمليات، مما يضع واشنطن في موقع قيادي ضمن سباق السيادة التقنية العالمية لعام 2026.
"تظل فنزويلا نقطة ارتكاز حاسمة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية، ليس فقط بسبب احتياطيات النفط التقليدية، بل لموقعها ضمن 'درع غويانا' الغني بالمعادن الاستراتيجية.
وتتبنى دوائر صنع القرار في واشنطن، خاصة التوجهات القومية، رؤية تعتبر أن استمرار النفوذ الصيني والروسي في قطاع التعدين الفنزويلي يشكل عائقاً أمام تأمين سلاسل توريد التكنولوجيا الأمريكية.
فالهدف الاستراتيجي الحقيقي هو ضمان الوصول إلى معادن مثل الكولتان والذهب والعناصر الأرضية النادرة، التي تدخل في صناعة الإلكترونيات المتقدمة، وذلك ضمن سياسة 'الاستقلال التكنولوجي' التي تهدف لتقليل الارتهان للمصادر الآسيوية.
وادي السيليكون
وعلى الصعيد الفلسفي والسياسي، يبرز انقسام حاد؛ حيث يرى أقطاب التكنولوجيا في وادي السيليكون أن تأمين هذه الموارد يمثل ضرورة أخلاقية واقتصادية لحماية الابتكار الغربي وضمان تفوق الشركات الأمريكية في سباق الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، يحذر مفكرون ونقاد سياسيون من أن تحويل قضية الموارد إلى صراع قوى عظمى قد يؤدي إلى استنزاف ثروات الشعوب النامية تحت غطاء الأمن القومي، مما يضع المنطقة أمام تحديات سيادية كبرى توازن بين الحاجة للاستثمار الأجنبي وبين الحفاظ على الملكية الوطنية للموارد الاستراتيجية."السيولة المعدنية
وعلى الصعيد الاقتصادي، أدت هذه التطورات إلى قفزة فورية في أسهم شركات النفط الأمريكية الكبرى بنسبة تصل إلى 10%، خاصة شركة شيفرون التي تعتبر المستفيد الأكبر نظراً لوجودها المسبق في فنزويلا. وبرر الرئيس ترامب هذه العملية بضرورة تأمين "النصف الغربي من الكرة الأرضية" والسيطرة على ثروات فنزويلا الهائلة من النفط والمعادن لتعويض تكاليف العملية العسكرية، وهو ما وصفه بـ "ملحق ترامب" لمبدأ مونرو.
وفي المقابل، نددت نائبة الرئيس الفنزويلي، ديلسي رودريغيز، بالعملية ووصفتها بأنها "اختطاف وإجرام"، بينما حذرت الأمم المتحدة من عواقب انتهاك السيادة الوطنية، في ظل استمرار حالة الغموض حول من سيقود المرحلة الانتقالية في كاراكاس.
أثارت التحركات الأمريكية الأخيرة في فنزويلا ردود فعل حادة من جانب بكين، حيث أصدرت وزارة الخارجية الصينية سلسلة بيانات وصفت فيها "عملية العزم المطلق" بأنها "أعمال هيمنة صارخة" تنتهك سيادة الدول والقانون الدولي. وخلال مؤتمر صحفي عُقد في بكين يوم الاثنين 5 يناير 2026، طالب المتحدث باسم الوزارة، لين جيان، بالإفراج الفوري عن نيكولاس مادورو وزوجته، واصفاً احتجازهما بأنه "عملية اختطاف" غير قانونية.
وفي سياق الدفاع عن الاستثمارات الصينية التي تتجاوز 60 مليار دولار، شددت بكين على أن عقودها في قطاعي النفط والتعدين محمية دولياً، مؤكدة رفضها القاطع لتهديدات الرئيس ترامب بإلغاء الاتفاقيات القائمة.
كما تحركت الدبلوماسية الصينية، بدعم من وزير الخارجية وانغ يي، لطلب اجتماع طارئ في مجلس الأمن الدولي، محذرة من أن التصرفات الأمريكية تمثل "سابقة خطيرة" تهدف لفرض نظام "الشرطي العالمي"، وهو ما تراقبه بكين عن كثب لضمان حماية مصالحها الاستراتيجية في منطقة الكاريبي.
الاستيلاء القسري"
تعتبر موسكو السيطرة الأمريكية المباشرة على "قوس أورينوكو" التعديني تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية، حيث تمتلك شركات روسية استثمارات ضخمة وعقوداً للتنقيب عن الذهب والماس والوقود النووي (الثوريوم) في جنوب فنزويلا.
وفي تصريح لوزارة الخارجية الروسية حذرت موسكو من أن "الاستيلاء القسري" على هذه الموارد يهدف إلى زعزعة استقرار سوق المعادن النادرة العالمي وتحويل فنزويلا إلى منطقة نفوذ حصرية تخدم صناعة الذكاء الاصطناعي الأمريكية فقط.
ويرى المحللون في معهد العلاقات الدولية بموسكو أن القلق الروسي يكمن في فقدان "أوراق الضغط" التي كانت توفرها الشراكة مع نظام مادورو، حيث كانت روسيا تعتمد على هذه المعادن لتأمين بدائل تقنية بعيداً عن الرقابة الغربية، وهو ما يفسر حدة الخطاب الروسي في مجلس الأمن ووصف العملية بأنها "نهب منظم لثروات الشعوب تحت غطاء حماية التكنولوجيا".
. و حذر الكرملين من أن واشنطن تسعى لاستخدام أسلوب "الترغيب والترهيب" لإجبار هذه الشركات على التنازل عن عقودها الطويلة الأمد في قوس أورينوكو، خاصة تلك المتعلقة بـ الذهب والثوريوم، مقابل وعود بحماية أصولها المادية.
وأكدت المذكرة الروسية أن أي محاولة لشركات التكنولوجيا الأمريكية (مثل شركات إنتاج البطاريات والرقائق) للاستيلاء على المواقع الروسية ستُقابل بـ "ردود قانونية وجيوسياسية حازمة"، مشددة على ضرورة "تجميد العمليات الميدانية" مؤقتاً لحين اتضاح المسار القانوني لمحاكمة مادورو في نيويورك، وذلك لضمان عدم شرعنه السيطرة الأمريكية على هذه الموارد الاستراتيجية التي تعتبرها روسيا "حقوقاً سيادية مكتسبة بموجب اتفاقيات دولية نافذة".
الاستثمارات الغربية
في أعقاب عملية "العزم المطلق"، كشفت تقارير من "قصر الإليزيه" والمستشارية الألمانية في برلين عن مقترح مشترك تم رفعه لإدارة ترامب تحت مسمى "مبادرة الشراكة الأطلسية للموارد الحرجة".
تهدف هذه المبادرة إلى تشكيل "كونسورتيوم" (تحالف شركات) يضم عملاقة التعدين والتكنولوجيا الأوروبية (مثل إيرباص وسيمنز وشركة Eramet الفرنسية)، ليعمل جنباً إلى جنب مع الشركات الأمريكية في قوس أورينوكو.
الحجة الأوروبية التي قادتها فرنسا وألمانيا هي أن استقرار فنزويلا يتطلب "تعدداً في الاستثمارات الغربية" لضمان عدم عودة النفوذ الصيني تحت أي غطاء مستقبلي، ولتأمين إمدادات الثوريوم والكولتان لصناعة السيارات الكهربائية الأوروبية التي تعاني من ضغوط المنافسة.
تعتمد برلين وباريس في مفاوضاتها مع واشنطن على ورقة "التكنولوجيا المستدامة"؛ حيث عرضت ألمانيا تقديم خبراتها المتقدمة في "التعدين الأخضر" والتقنيات الرقمية لإدارة المناجم (Mining 4.0)، وهي تقنيات تتفوق فيها الشركات الألمانية عالمياً، مقابل الحصول على حصص توريد مضمونة من العناصر الأرضية النادرة.
ويرى المحللون الاقتصاديون في "منتدى التعدين 2026" ببرلين أن هذا العرض هو محاولة ذكية من أوروبا لتجنب الصدام المباشر مع ترامب، وتحويل "عقيدة الموارد" الأمريكية من سياسة إقصائية إلى سياسة تكاملية تخدم "الكتلة الغربية" ككل في مواجهة بكين.
هيكلة جينية
خلف البريق البارد لرقائق السيليكون والوعود البراقة للذكاء الاصطناعي، يوثق تقرير "مجموعة الأزمات الدولية" المعنون بـ "لعنة الذهب" مأساة إنسانية صامتة لـ 150 ألف عامل يرزحون تحت وطأة ظروف عمل قسرية في مناجم الأمازون.
وفي مرافعة حقوقية مدوية، أكدت الدكتورة ماريان ديبوس، أستاذة العلوم السياسية بجامعة "باريس نانتير" والباحثة المتخصصة في نزاعات الموارد، ضمن تقريرها المرفوع للأمم المتحدة تحت عنوان "سيادة المعادن وحقوق الإنسان"، أن العالم المتقدم يبني "جنته الرقمية" بدم العمال الفنزويليين وعلى أنقاض غابات الأمازون التي تُباد بشكل منهجي.
وتوسعت ديبوس في تحليلها لتكشف عن نمط جديد من "العبودية التكنولوجية"، حيث يتم استنزاف الأجساد البشرية والنظم البيئية الهشة لتأمين المعادن اللازمة لتشغيل خوارزميات الغد.
إن ما يحدث مطلع عام 2026 هو "إعادة هيكلة جينية" للنفوذ العالمي في عصر ما بعد النفط. فمن يسيطر على ذرات الأرض في الأمازون الفنزويلي، يملك حق التوقيع على شهادة ميلاد أو وفاة السيادة الرقمية للقرن القادم.
إن الصراع المحتدم فوق رمال الأمازون ليس إلا إعلاناً رسمياً لولادة نظام عالمي جديد، تتوارى فيه الأيديولوجيات السياسية لتبرز مكانها "المادة الفتاكة" كحاكم وجلاد في آن واحد. و
في هذا المشهد القاتم، تتربع "الذرة" على العرش الجديد للقوة؛ فمن يمتلك سر المادة، يمتلك حق صياغة المستقبل، ومن يفقدها يجد نفسه مجرد مستهلك في هامش التاريخ الرقمي. وبذلك، يطوي العالم صفحة الصراع على الأرض، ليفتح فصلاً أكثر شراسة: الصراع على ماهية الوجود المادي للتكنولوجيا.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/07 الساعة 15:03