هل المخدرات أطهر من السياسة الخادعة؟!.. العين القضاة يجيب

اللواء المتقاعد الدكتور عمار القضاة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/07 الساعة 10:59


رخاوة بايدن في ملف الهجرة



نعم للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ان يتخذ من الأوامر والإجراءات اللازمة للحفاظ على امن واستقرار امريكا، وهذا ما فعله على أرض الواقع، ومنها متابعة ملف الهجرة غير المشروعة، والمثلية الجنسية والعديد من الملفات. ففي أواخر عام 2025، واجهت ولاية كاليفورنيا لوحدها إلغاء حوالي 17000 رخصة قيادة تجارية لسيارات الشحن حصل عليها مهاجرون هنود لاجئون بطريقة التزوير ودون الامتثال للمعايير الفيدرالية، ارتكب العديد منهم حوادث مميته نتح عنها العديد من الوفيات وما زالت السلطات المعنية تتابع هذا الملف وتحقق به، وهذه صورة تشكل مثالاً على الرخاوة التي كانت في ملف الهجرة من قبل بايدن.

الحرب على المخدرات



في ظل تصاعد الحملات الدولية ضد المخدرات وتبرير كثير من التحركات العسكرية والدبلوماسية باسم “الحرب على المخدرات”، لا بد لنا أن نتساءل: هل المخدرات أخطر على المجتمع من السياسة الخادعة أم العكس؟ وهل أن بعض الدول تستخدم ملف المخدرات غطاءً لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية تتجاوز مجرد مكافحة إدمان وتجارة المواد المخدّرة؟.. وهل بتحقيق تلك الأهداف السياسية والاقتصادية تنمو تجارة المخدرات ام يتم الحد منها فعلاً وتحييدها؟

المخدرات كذريعة للتدخل السياسي



خلال السنوات الماضية، ظهرت العديد من الأمثلة التي تكشف كيف يتم توظيف “الحرب على المخدرات” للوصول إلى غايات أخرى. آخر هذه الأمثلة ما يحدث بين الولايات المتحدة وفنزويلا، حيث استخدمت واشنطن ادعاءات مكافحة المخدرات كذريعة لتحركات عسكرية وسياسية ضد حكومة الرئيس نيكولاس مادورو. ففي أواخر 2025، أعلن الرئيس الأمريكي أن القوات الأمريكية دمرت أسطولًا من القوارب التي تزعم أنها تنقل مخدرات من فنزويلا، وارتبط ذلك بعمليات عسكرية واسعة بلغت حد توجيه ضربة عسكرية لموقع يُزعم أنه يستخدم لتحميل المخدرات، وقد يكون تهريب المخدرات من فنزويلا صحيحاً ويشكل تهديداً نسبياً للمجتمع الأمريكي، ومع ذلك، يشكك محللون امريكان في الأهداف الحقيقية لهذه التحركات، معتبرين أن حملة مكافحة المخدرات تُستخدم كغطاء للضغط على النظام الفنزويلي وتغيير موازين القوى فيها، وربما للإطاحة بمادورو نفسه على اعتبار ان استجواب مادورو وزوجته سيمكن السلطات الأمريكية من الحصول على معلومات سرية تتعلق بالدور الروسي في تنظيم الجماعات والعصابات المسلحة وربطها استراتيجياً بمعسكر الدول الحليفة بالشرق الأوسط وافريقيا وامريكا اللاتينية لتبقى مصدر تهديد للأمريكان، بالتزامن مع الاستعدادات الأمريكية وتحضيراتها لحرب متوقعة ضد ايران واذرعها.

تحليلات عديدة، تشير إلى ان الضربات والقوة العسكرية بُرّرت بمكافحة المخدرات، لكنها تتداخل مع استهداف النظام السياسي والسيطرة الاقتصادية في كاراكاس، وإنتاج بيئة استثمارية جديدة، وبديل احتياطي للنفط.

تتجاوز دوافع التدخلات الأمنية مكافحة تهريب المخدرات في بعض الأحيان إلى حسابات جيوسياسية واقتصادية أوسع، منها ما حدث فعلا في حالة فنزويلا، وهناك من يرى أن التقارير الأمريكية المتعلقة بتورط الدولة في تجارة المخدرات – مثل توصيف عصابة “كارتل الشمس” التي قيل انها مرتبطة بالجيش والحكومة – تستخدم لتبرير إجراءات سياسية تشمل فرض ضغوط اقتصادية وعسكرية على هذا البلد الغني بالنفط.

هذا الربط بين مكافحة المخدرات والتدخل السياسي ليس بالضرورة مقتصراً على حالة واحدة، بل هو جزء من نقاش أوسع حول كيف يمكن للولايات المتحدة استخدام شعارات الأمن والأخطار الاجتماعية لتبرير سياسات تتجاوز أهدافها المعلنة.

حين تتحول مكافحة المخدرات إلى أداة في الصراع السياسي، تتعرض المبادئ القانونية والأخلاقية للخطر، اذ يرى بعض الخبراء أن توظيف الأمن القومي لمكافحة المخدرات دون دليل واضح على التهديد أو دون الالتزام بالقانون الدولي يمكن أن يُضعف الشرعية ويضر بالعلاقات الدولية، ويحول حربًا مزعومة على المخدرات إلى مواجهة سياسية بغطاء أخلاقي، ما يؤدي الى استغلال تلك الحالة من التوتر والقلق، والى ازدهار ونمو في نشاط عصابات المخدرات.

وقد تحدثت انا منذ عام 2022 على وسائل الإعلام المختلفة عن خطر مادة الفنتانيل القاتلة، وان مصدر موادها الأولية هو الصين والهند، وجزء بسيط من اوروبا، ويتم تهريبها إلى المكسيك، اذ تتولى عصابات المخدرات المكسيكية تحويلها الى اشكال عدة، وتخلطها بالكوكائين الكولومبي، وتهربها الى الولايات المتحدة الامريكية المحاذية للحدود المكسيكية مثل تكساس وكاليفورنيا واريزونا ونيومكسيكو ، وان فنزويلا بريئة من انتاجها وحتى إنتاج الكوكائين الذي تنتج كولومبيا ثلثي الإنتاج العالمي منه وتشاركها بالباقي بوليفيا والإكوادور.

إن تجارة المخدرات تشكل خطرًا حقيقيًا محدقاً على المجتمعات بسبب تأثيرها على ارتفاع نسبة الجريمة والصحة العامة، والاستقرار الاجتماعي، والاقتصاد، ما يستدعي تعاونًا دوليًا حقيقيًا، بعيدًا عن أية أهداف سياسية أو تدخلات مسلحة.

المخدرات بلا شك تشكل تهديدًا حقيقيًا للمجتمعات، غير أن استخدامها كذريعة لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية يضعنا أمام سؤال فلسفي عميق: هل السياسة أصبحت أكثر سمية من المخدرات نفسها؟ حين تُستغل الشعارات الإنسانية لمحاربة المخدرات في خدمة مصالح استراتيجية، فإن ما كان يُفترض أن يكون جهدًا من أجل الصحة والأمن؛ يتحول إلى أداة في صراعات القوى الكبرى، ما ينتج عنه بيئة خصبة تزيد من نشاط الإتجار بالمخدرات.

في مثل هذه الحالات، يجوز القول ان تجارة المخدرات ستنشط بسبب السياسة الخادعة عندما تستخدم الأخيرة لتبرير تحركات لا تخدم الهدف المعلن بل تخدم مصالح حزبية وسياسية واقتصادية تحت ستار القانون والنزاهة.

التجربة الأردنية ومتابعة الملك



التجربة الأردنية الأخيرة في ملف مكافحة المخدرات والتي تمثلت بضرب اهداف في الجنوب السوري، تعد نشطة في تصنيع وتخزين وتهريب المخدرات، كانت نتائجها واضحة وحاسمة ومحددة ومحققة لأهدافها، وفي إطار متابعة جلالة الملك المفدى وحرصه الدائم على تحقيق اعلى مستوى للأمن والاستقرار والسلم المجتمعي، ومتابعة اي تهديد أمني يمس أرض الأردن.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/07 الساعة 10:59