كيف أعاد الأردن صياغة منطق المواجهة؟

د. محمد كامل القرعان
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/07 الساعة 10:13
لم تعد الأزمات في عالم اليوم أحداثاً طارئة يمكن احتواؤها بإجراءات مؤقتة، بل أصبحت سمة ملازمة للواقع السياسي والاقتصادي والإعلامي المعاصر. وفي هذا السياق، لم يعد السؤال الجوهري هو: كيف ندير الأزمة؟ بقدر ما أصبح: كيف نحول الأزمة إلى فرصة؟ وهنا يبرز الأردن بوصفه أنموذجًا يستحق القراءة والتحليل، لا من باب المثالية، بل من زاوية التجربة الواقعية القائمة على التكيّف والمرونة.

لقد واجه الأردن، عبر مسيرته الحديثة، أزمات متداخلة ومركّبة، شملت تحديات اقتصادية وضغوطًا إقليمية وأزمات صحية وأمنية، إضافة إلى محدودية الموارد وتعقيدات اللجوء والاضطرابات الجيوسياسية المحيطة. ورغم ذلك، حافظ على مستوى لافت من الاستقرار المؤسسي، وهو ما يعكس تطورًا تدريجيًا في التفكير الاستراتيجي، انتقل من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة الفرص من رحمها.

في مرحلة إدارة الأزمات، ينصبّ التركيز عادة على احتواء التداعيات وتقليل الخسائر وضمان استمرارية الأداء المؤسسي. وقد برز هذا النهج في محطات مفصلية، حيث اعتمد الأردن على مركزية القرار، وتكامل الأدوار بين المؤسسات، وضبط الإيقاع الإعلامي، بما أسهم في الحفاظ على السلم المجتمعي ومنع الانزلاق نحو الفوضى. غير أن هذا النهج، على أهميته، يبقى بطبيعته دفاعيًا ومؤقت الأثر.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن مسار إدارة الأزمات في التجربة الأردنية لم يكن خاليًا من بعض الأخطاء أو التقديرات غير الدقيقة، سواء على مستوى سرعة الاستجابة، أو وضوح الرسائل الاتصالية، أو آليات التكيّف مع المستجدات المتسارعة. إلا أن الفارق الجوهري تمثّل في وجود منظومة متابعة ومراقبة وتقييم مستمر، أتاحت مراجعة القرارات وتصويب المسارات، والانتقال التدريجي من منطق ردّ الفعل إلى منطق التعلّم المؤسسي. وقد أسهم هذا النهج في الحد من تراكم الأخطاء، وتعزيز القدرة على التكيّف المرن، وتحويل الإخفاقات الجزئية إلى خبرات متراكمة دعمت مسار التحول من إدارة الأزمة إلى استثمارها كفرصة للتطوير والإصلاح.

ويبرز التحول الأعمق عندما تصبح الأزمة لحظة كاشفة للثغرات البنيوية، ومحفّزًا لإعادة الهيكلة، وإطلاق مسارات إصلاحية جديدة. فقد دفعت الأزمات المتلاحقة إلى تسريع التحول الرقمي، وتحديث بعض التشريعات، وتعزيز مفهوم الاتصال الاستراتيجي، وإعادة تعريف أدوار الإعلام بوصفه شريكًا في إدارة الوعي العام، لا مجرد ناقل للحدث.

على الصعيد الإعلامي، أسهمت الأزمات في إعادة النظر بوظيفة الإعلام من خطاب تبريري أو انفعالي إلى خطاب أكثر مهنية وشفافية، قائم على المعلومة الدقيقة، ومواجهة الشائعات، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. كما كشفت الأزمات عن أهمية الإعلام الرقمي بوصفه أداة فاعلة في إدارة التوقعات وصناعة الرأي العام، لا سيما في البيئات شديدة الحساسية.

اقتصاديًا، تحوّلت الأزمات إلى دافع لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن نماذج تنموية أكثر مرونة واستدامة، عبر دعم ريادة الأعمال، وتحفيز الاقتصاد الرقمي، وتعزيز دور المناطق التنموية، وفي مقدمتها العقبة، كنقاط جذب وفرص بديلة للنمو. وهنا تتجلى الأزمة باعتبارها «مختبر سياسات» يفرض التفكير خارج القوالب التقليدية.

أما على المستوى المجتمعي، فقد أظهرت التجربة الأردنية أن الأزمات، رغم قسوتها، يمكن أن تعزز التماسك الاجتماعي متى أُديرت بعقلانية، ومنح المواطن دور الشريك لا المتلقي. فالتواصل الواضح، والشعور بالمسؤولية المشتركة، والثقة المتبادلة، جميعها عناصر تسهم في تحويل الأزمة من عبء نفسي واجتماعي إلى لحظة وعي جماعي.

إن الخلاصة الأهم التي يقدمها النموذج الأردني لا تكمن في غياب الأزمات، بل في طريقة التعامل معها. فالدول لا تُقاس بقلة التحديات التي تواجهها، بل بقدرتها على التعلم من أخطائها، ومراجعة سياساتها، وتحويل الضغوط إلى فرص للنهوض والتحديث. ومن هنا، فإن الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة العصر.

ختامًا، يقدّم الأردن أنموذجًا لدولة محدودة الموارد، لكنها غنية بالخبرة التراكمية، استطاعت – رغم التحديات – أن توظف الأزمات كمنصات لإعادة التفكير في أدواتها وخياراتها ومساراتها المستقبلية. وهو أنموذج يؤكد أن الأزمات، حين تُدار برؤية استراتيجية وعقل نقدي مرن، قد تكون بداية طريق جديد، لا نهاية المسار.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/07 الساعة 10:13