العتوم يكتب: روسيا ليست أمريكا

د. حسام العتوم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/05 الساعة 20:44
روسيا الاتحادية التي أعرفها عن قرب لا تشبه الولايات المتحدة الأمريكية التي أتابعها عن قرب أيضا . وتعتبر روسيا في مقدمة الدول المستقلة ، ورثة الاتحاد السوفيتي ، و تقود توجه عالم متعدد الأقطاب بالارتكاز على فكر المفكر الروسي الكسندر دوغين إلى جانب نخبة من المفكرين العالميين الكبار أمثال ( ديفيد كامب ، و ديل ألتون ، و ديليب خيرو ، و فابيو بيتيتو ) ، و سبق لونستون تشيرشل أن أطلق عام 1946 مصطلح الولايات المتحدة الأمريكية في خطابه في جامعة زيورخ في سويسرا ، ومن الأقطاب الهامة الان " بريكس " ، و " شنغاهاي " و " إس . إن . ج " ، و نهوض الصين و الهند كدول عظمى إلى جانب روسيا ،و الولايات المتحدة الأمريكية ، و الاتحاد الأوربي المرشح للإنقسام على نفسه إلى دويلات . ولقد ظهرت روسيا عام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ،و عبرت مرحلة باريس يلتسين المتعثرة ، ثم نهضت بقوة منذ عام 2000 مع صعود إسم فلاديمير بوتين ، الزعيم الروسي الفولاذي الذي حافظ على استقرار بلاده روسيا حتى بوجود دميتري ميدفيديف رئيسا لها عام 2008 ، و السيطرة على ملف جورجيا ، و رئيسا للوزراء عام 2012 . وهي الأكبر مساحة في العالم ( حوالي 18 مليون كلم2 ) ، و الأقوى في قوة النار و الترسانة النووية العسكرية على مستوى العالم ، وفي البحرية و الفضاء ، رغم قبولها تفكك حلف ( و ارسو ) في نفس عام تفكك الاتحاد السوفيتي وفقا لقرار مجلس السوفييت الأعلى 142 ، و الأكثر نشرا لمفاعلات النووي السلمي ، و امتلاكا للمصادر الطبيعية الفريدة و الثرية عالميا . وهي من بادرت عام 2000 بالعرض على حلف ( الناتو ) امتلاك عضويته للجم الحرب الباردة و سباق التسلح ،وقوبل بالصمت .

و يسجل للاتحاد السوفيتي بقيادة روسيا ، و للولايات المتحدة الأمريكية ، و للمملكة المتحدة ( بريطانيا ) تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 ، ودافعت روسيا عن سيادتها إبان غزو نابليون لها عام 1812 و اتنصرت ، و في الوقت الذي كان فيه موقع روسيا في الحرب العالمية الأولى عام 1914 دفاعيا ، حققت نجاحات ملاحظة . و في الحرب العالمية الثانية 1941 /1945 لو امتلك الاتحاد السوفيتي القنبلة النووية لما استخدمها لطرد النازية الألمانية ، الذي تمكن من دحرها بالسلاح التقليدي و بجهد الزعيم جوزيف ستالين ، و قائده الميداني جيورجي جوكوف ، و عموم السوفييت ، و بعد فاتورة من الشهداء وصلت إلى 28 مليون شهيد ، إلى عمق برلين بعد رفع العلم السوفيتي فوق مبنى الرايخ ( البرلمان ) . و استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية قنبلتها النووية الأولى ضد اليابان في حادثتي( هيروشيما و ناكازاكي) عام 1945 بطريقة خاطئة تصل لدرجة الخطيئة و الجريمة البشرية ، بينما رد الاتحاد السوفيتي على هجوم اليابان عليه بضم جزر الكوريل الأربعة ،واختراع القنبلة النووية عام 1949 ورفض استخدامها . ولم تقبل اليابان توقيع السلام مع روسيا حتى الساعة ، بينما عادت صديقة لأمريكا تحت مظلة احادية القطب الظالمة و غير العادلة . ونصت استراتيجية روسيا النووية الجديدة عام 2024 على إمكانية استخدام السلاح النووي حالة التعرض لحرب تقليدية منظمة أو نووية مفاجئة .

وفي عمق التاريخ المعاصر لم يتفق الاتحاد السوفيتي مع غزو أمريكا لفيتنام في الأعوام 1955/ 1975 ، وهبط في أفغانستان عام 1979 لمنع هبوط أمريكا و ( الناتو ) فيها ، و دفع عام 2011 بعد حادثة 11 سمبتمبر أمريكا لغزو أفغانستان بهدف اجتثاث تنظيم القاعدة الارهابي و تصفية أسامة بن لادن ، لكن القاعدة رحلت و نقلت إلى العراق و سوريا ، و تمكنت روسيا عام 2015 من مطاردتها وحماية نظام الأسد الأب و الأبن صديقها ، وبعد قبول بشار الأسد لاجئا إنسانيا فيها ، و اصلت روسيا صداقتها الاستراتيجية مع نظام أحمد الشرع الذي انتهج الأنفتاح على الداخل السوري و على العالم الخارجي،و بقي أعداء النظام السوري الجديد يتربصون له ، وهو الملاحظ .

وفي الحرب الأوكرانية شيوعا التي بدأت منذ انقلاب ( كييف ) عام 2014 الذي اخترقته و الثورات البرتقالية الأوكرانية قبل ذلك اللوجستيا البريطانية و الأمريكية في عهدي باريس جونسون ، و جو بايدن ، وتم تصعيدها على شكل حرب شعبية ثماني سنوات و سقوط قتلى عديدون ، و لتواجه العملية العسكرية الخاصة الروسية التحريرية عام 2022 ، و التي جاءت متأخرة ، كان و لا يزال الدور الروسي فيها دفاعي عن سيادة روسيا التي منحت لأوكرانيا في الحقبة السوفيتية و تزامنا مع استقلالها (القرم و الدونباس) مرهونة بإتفاقية الحياد و الابتعاد عن التحالفات المعادية وفي مقدمتها مع ( الناتو ) ، ولم تمانع انفتاح ( كييف ) على الاتحاد الأوروبي مبكرا عام 2014 .

و أينما تتواجد روسيا على خارطة العالم ، تتواجد أمريكا ، ولقد رافقت القضية الفلسطينية منذ انطلاقها ، ورغم تسجيل اعتراف الاتحاد السوفيتي بإسرائيل أولا عام 1948، إلا أن روسيا واصلت دفاعها عن قضايا العرب الأحتلالية كافة ، وفقا لأحكام القانون الدولي ومادته رقم 242 . وقابل هذه المعادلة اعتراف الولايات المتحدة بإسرائيل عام 1949 ، مما يعني بأن مسافة الإعتراف ليست كبيرة ، وواصلت أمريكا اسنادها لإسرائيل عبر اعترافات متتالية بالقدس عاصمة لها في عهد الرئيس ترامب الأول عام 2017 ، و بالجولان إسرائيلية عام 2019 . وساندت أمريكا حرب إسرائيل على غزة بحجة السابع من أكتوبر 2023 الذي سانده الخطاب الشعبي العربي بكامل عمقه الأيدولوجي ، وعارضه الخطاب الرسمي العربي و العالمي في المقابل . و بقيت القضية الفلسطينية تراوح المكان في الوقت الذي أدانت فيه روسيا التطرف في الجانبين المتحاربين العربي المحرر و الإسرائيلي المحتل . و تقاسمت روسيا مع أمريكا القضية الليبية عام 2015 . ولم تتفق روسيا مع قصف الناتو لكوسوفو عام 1999 .

وفي قضية فنزويلا القابعة شمال أمريكيا الجنوبية بعد اختطاف رئيسها مادورو و زوجته بطريقة الكاوبوي بتهمة الاتجار بالمخدرات ، وهو المساند للقضية الفلسطينية بشجاعة ، و الرافض للنازية الإسرائيلية ، بينما هي عيون الولايات المتحدة الأمريكية على بترول و ذهب فنزويلا و بمسانده إسرائيلية ، و سابقا استخدمت أسلوب الخاوة مع العرب و سحبت منهم استثمارات تقدر بخمسة تريلونات دولار و أكثر بكثير ،و عرضت على العرب طائرات عسكرية حديثة يصعب استخدامها في حروبهم القادمة مع إسرائيل . و أدانت موسكو حادثة مادورو الغريبة وطالبت بالأفراج عنه . و السؤال الكبير الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا لم تقدم أمريكا إن كانت تدعي العدالة العالمية على اعتقال بنيامين نتياهو مجرم الحرب في غزة و تقديمه للعدالة الدولية ؟ و لماذا لا زالت أمريكا كما إسرائيل تحول السابع من أكتوبر لحائط مبكى جديد ، بينما شهداء فلسطين يطالبونها بعدالة قضيتهم و قضية وطنهم ؟ وما ذا لو اعتقلت روسيا الرئيس المنتهية ولايته فلاديمير زيلينسكي الذي يمارس الهلوسة القتالية و أخرها توجيه مسيرات الغرب تجاه مقر الرئيس فلاديمير بوتين في موسكو ؟ كيف ستتصرف أمريكا ومعها الاتحاد الأوروبي المنفصل عنها سياسيا ؟ وفي المقابل نقدر تفهم أمريكا لموقف روسيا من الحرب الأوكرانية ،و محاولتها الحياد ، و ادانة زيلينسكي على فعلته المنكرة الأخيرة بحق مقر الرئيس بوتين . ونعم لعلاقات استراتيجية روسية – أمريكية و بالعكس لما فيه كل الخير لأمن و استقرار العالم ،و توجهه تجاه التنمية الشاملة الخادمة للإنسان و البشرية جمعاء .ونعم لأمم متحدة بحلة جديدة ، وقانون دولي عادل جديد يشمل أعمال مجلس الأمن .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/05 الساعة 20:44