العبادي يكتب: شاس بن قيس في حلته الحديثة.. العنف الرمزي من يهود المدينة المنورة إلى إسرائيل اليوم

الدكتور بركات النمر العبادي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/05 الساعة 13:42
حين نقف عند سيرة شاس بن قيس ، أحد زعماء يهود المدينة في عهد النبوة ، لا نقرأ سطرًا من التاريخ بقدر ما نلمح ملامح لوجه لم يختفِ ، بل تنكّر بأقنعة جديدة ، وامتد في الجغرافيا والسياسة ، حتى بلغ عمق المشهد العربي المعاصر ، شاس هذا لم يكن مجرّد رجل يضمر الكراهية للإسلام ، بل كان رمزًا لنهج قائم على ما يمكن تسميته اليوم بـ"العنف الرمزي والناعم" ؛ عنف لا يُمارَس بالسيف ، بل يتسلل عبر الكلمة ، والإشاعة ، والتشكيك ، وبثّ الفتنة في ثياب "النقد" و"الحرية".

في لحظة سياسية دقيقة ، وحين كان الإسلام قد نجح في توحيد الأوس والخزرج تحت راية واحدة ، استشاط شاس غضبًا ، لأنه أدرك أن الوحدة أخطر عليه من السيف ، فدسّ رجاله بين الجموع ، يذكّرونهم بأيام الجاهلية وسيوف بعاث ، فانبعثت نعرات دفينة كادت تُشعل المدينة حربا ، لم يكن هدفه السيطرة على الأرض ، بل على الوعي ، لم يكن سلاحه الحديد ، بل الخطاب ، وهذا النمط من السلوك لم يكن حكرًا على شاس بن قيس ، بل هو سلوك متكرر تجسّد في بني قينقاع ، وبني النضير، وبني قريظة ، الذين نكثوا العهود ، وحرّضوا الداخل ، وتحالفوا مع الخارج ، في محاولة دؤوبة لتفكيك مشروع الأمة وهي بعدُ في مهدها ، واليوم، بعد قرون، نشهد الصورة ذاتها تتكرر، ولكن بوسائل أكثر تطورًا ، وأدوات أكثر خفاءً ، إسرائيل، وريثة المشروع الصهيوني الحديث ، تمارس شكلاً متقنًا من العنف الرمزي والناعم ، لا يختلف في جوهره عمّا فعله أسلافهم من يهود المدينة، بل يزيد عنه تنظيمًا وتأثيرًا.

فإسرائيل لا تكتفي بالاحتلال العسكري ، بل تمارس احتلالًا للوعي العربي ، من خلال أدوات إعلامية وسياسية ناعمة ، تُعيد إنتاج المفاهيم ، وتُحرّف الاتجاهات ، وتُشوّه رموز المقاومة ، وتُغلف كل ذلك بخطابات "السلام" و"الواقعية السياسية". إنها تسعى لتفكيك الإجماع العربي ، تمامًا كما سعى شاس بن قيس لتفتيت وحدة الأوس ، إنها لا تقصف بالصواريخ فقط ، بل بالكلمة ، بالصورة ، بالسردية المفخخة ، و تزرع في العقول ما يُضعف الانتماء ، ويُربك الولاء ، وتغذّي في الوعي العربي شعورًا دائمًا بالعجز والهزيمة. ذلك هو جوهر العنف الرمزي ؛ أن يُفرغ الإنسان من ثقته بذاته وأمته دون أن يُطلق عليه رصاصة واحدة.

وهنا ، تكمن خطورة هذا العنف ، لأنه لا يُقاوَم بالشعارات ولا يُكشَف بسهولة ، بل يتطلب وعيًا نقديًا عميقًا ، وإعلامًا تفسيريًا لا يكتفي بنقل الخبر بل يُعيد بناء المعنى ، ويُفكك البُنى الخطابية التي تخفي العداء خلف أقنعة "الحياد" و"التحليل".كما يتطلب هذا الوعي وجود نخب فكرية وثقافية تتقدم الصفوف ، تُحصّن الجمهور من الانجرار وراء الصور المشوّهة ، وتُعيد الثقة بالحق العربي دون الوقوع في فخ الخطاب التبريري ، الذي يُخدّر الوجدان ويُفرغ الموقف من مضمونه.



إن العنف الرمزي الذي مارسه شاس بن قيس في المدينة المنورة ، يُمارَس اليوم على نطاق أوسع وبأدوات أكثر نُعومة ، لكن الهدف واحد: تفكيك اللحمة الداخلية ، وتشويه الرمز، وتقويض الثقة بالمشروع العربي الحضاري ، فكما أدرك النبي ﷺ خطورة الكلمة المفخخة ، وأبصر وراءها مشروعًا تفكيكيًا خبيثًا ، علينا اليوم أن نعيد النظر في معاركنا. ليست كل الحروب بالمدفع ، وبعض أخطر المعارك تُخاض في ساحات الوعي ، وتُحسم في قلوب الناس وعقولهم.

حمى الله الاردن و سدد على طريق الحق خطى قيادته وشعبه .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/05 الساعة 13:42