قراءة قانونية للهجمات السيبرانية في إطار القانون الدولي العام

المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/05 الساعة 10:35
في إطار القانون الدولي العام، لم يعد الفضاء السيبراني مجالًا تقنيًا محايدًا، بل أصبح ساحة قانونية–أمنية تتقاطع فيها قواعد الشرعية الدولية مع اعتبارات التخطيط الدفاعي وإدارة النزاعات الحديثة. ويُقيَّم السلوك السيبراني وفق معيار الأثر، لا من حيث طبيعته التقنية، بل بمدى تأثيره على جاهزية الدولة، وسلامة منظومات القيادة والسيطرة، وقدرتها على الحفاظ على تماسك القرار في البيئات التي تسبق أو ترافق العمليات العسكرية. ولا تُفترض عدم المشروعية أو المسؤولية القانونية تلقائيًا، وإنما تُستخلص من تحليل موضوعي للسياق العملياتي، وحجم الضرر، وحدود القسر، وانعكاس ذلك على الوظائف السيادية الأساسية.

ينطلق التحليل القانوني للهجمات السيبرانية من إدراك أن هذا النمط من السلوك بات جزءًا لا يتجزأ من بنية الصراع المعاصر، حيث تُدار مراحل ما قبل الاشتباك، وأحيانًا مراحله الأولى، بأدوات غير مرئية تستهدف البيئة الوظيفية للدولة قبل استهداف قدراتها المادية. فالنشاط السيبراني، مهما بلغ من تطور، لا يُقاس قانونيًا بأدواته أو بمصدره المفترض، بل بمدى تأثيره الفعلي على قدرة الدولة على ممارسة اختصاصاتها، وضمان استمرارية مرافقها الحيوية، واتخاذ القرار في ظروف الضغط الاستراتيجي.

ويميز القانون الدولي بين مستويات متعددة من النشاط السيبراني، تبدأ بالسلوك غير الودي، وتمر بالتدخل غير المشروع في الشؤون الداخلية عندما يبلغ الفعل حد القسر، وقد تصل — في حالات استثنائية — إلى توصيف الهجوم السيبراني كاستخدام للقوة إذا ترتب عليه أثر يعادل في نتائجه عملًا عسكريًا تقليديًا. ويظل هذا التصنيف خاضعًا لمعايير صارمة، ولا يُبنى على افتراضات سياسية أو سرديات إعلامية، بل على فحص موضوعي لعناصر الضرر، والنية، والتناسب، والضرورة العسكرية.

في السياق العسكري–العملياتي الحديث، يظهر أن تحييد القدرات الدفاعية لا يبدأ بالضرورة من المجال المادي، بل من إرباك البنية التي تقوم عليها منظومة القيادة والسيطرة. فشبكات الاتصال العسكرية، وأنظمة الإنذار المبكر، وتكامل المعلومات بين المستويات السياسية والعسكرية، تشكل اليوم حجر الأساس لأي قدرة دفاعية فعالة. وعندما تتعرض هذه المنظومات لتعطيل أو تشويش سيبراني واسع، فإن الأثر القانوني يُقاس بمدى إضعاف القدرة على الدفاع المنظم، لا بغياب التدمير المادي المباشر.

ولا يُنظر إلى الهجوم السيبراني في هذا الإطار كفعل تقني معزول، بل كعملية ممتدة زمنيًا تُدار ضمن تصور عملياتي يسبق أو يرافق استخدام القوة. وغالبًا ما تستهدف هذه العمليات موثوقية البيانات، وسلامة تدفق الأوامر، والتزامن بين الوحدات، بما يخلق بيئة قرار مضطربة في اللحظات الحرجة. وهنا، يصبح معيار الأثر المحدد القانوني الأهم لتوصيف الفعل، بصرف النظر عن طبيعته التقنية أو مستوى بصمته الرقمية.

وفي الحالة الفنزويلية كنموذج تحليلي، تبرز إشكاليات هيكلية تتعلق بتعدد مصادر المنظومات الدفاعية والاتصالية، وخضوعها لأطر تنظيمية غير متجانسة، وتداخلها مع شبكات ذات طابع مدني أو مزدوج الاستخدام. هذا الواقع يضعف مبدأ الفصل الوظيفي بين البنى السيادية وغير السيادية، ويُوسّع نطاق المخاطر القانونية المرتبطة بأي نشاط سيبراني يستهدف طبقات الاتصال أو إدارة البيانات.

وعند اختلال هذه الطبقات، لا تنهار القدرات الدفاعية بوصفها قوة مادية، لكنها قد تفقد أهليتها الوظيفية للعمل ضمن إطار منسق. ومن منظور القانون الدولي، فإن هذا النوع من التعطيل يمس جوهر القدرة السيادية للدولة، وقد يرقى، بحسب حجم الأثر وعمقه، إلى مستوى تدخل غير مشروع أو استخدام للقوة، حتى في غياب أي اشتباك تقليدي.

كما أن تزامن الضغط السيبراني مع نشاط جوي أو تحركات عسكرية في المحيط العملياتي لا يُقرأ قانونيًا بالضرورة كدليل قاطع على نية استخدام القوة، بل قد يُفهم كوسيلة لاختبار منظومة الرد وقدرتها على العمل تحت الضغط. ففي بيئة تتعرض لتشويش معلوماتي، تُجبر وحدات الدفاع على العمل خارج بنيتها الشبكية المعتادة، مع فقدان الصورة العملياتية المشتركة، ما يؤدي عمليًا إلى تعطيل حق الدولة في الدفاع المنظم دون إطلاق نار.

الأثر القانوني الأكثر حساسية يتصل بمنظومة حماية القيادة السياسية والعسكرية. فالحماية المعاصرة لكبار صناع القرار تعتمد على أنظمة رقمية متكاملة لإدارة الاتصال، والحركة، والمراقبة، وتقييم التهديد. وأي خلل في التزامن الزمني أو موثوقية البيانات أو سلامة قنوات الاتصال قد يُحدث فراغًا أمنيًا مؤقتًا، يُقاس قانونيًا بمدى تأثيره على ممارسة الدولة لسيادتها الفعلية في لحظة الأزمة، لا بطول مدة الخلل أو شكله التقني.

ومن منظور القانون الدولي الإنساني، متى انطبقت قواعده، تخضع العمليات السيبرانية للمبادئ الأساسية ذاتها التي تحكم النزاعات المسلحة، وفي مقدمتها التمييز، والتناسب، والضرورة العسكرية. واستهداف الشبكات ذات الاستخدام المزدوج دون اتخاذ تدابير فعالة لتقليص الأثر على المدنيين يثير مسؤولية قانونية محتملة. وفي بيئات تتداخل فيها البنى المدنية والعسكرية رقميًا، تتضاعف المخاطر القانونية لأي عملية سيبرانية واسعة النطاق.

أما ما يُوصف بالهجوم “منخفض البصمة” أو “المؤقت”، فلا يشكل في ذاته معيارًا للمشروعية. فالقانون الدولي لا يقيس الشرعية بزمن التعطيل أو قابليته للإنكار، بل بتأثيره على سيادة الدولة وسلامة وظائفها الأساسية. والقابلية للإنكار قد تُعقّد المساءلة السياسية، لكنها لا تنفي المسؤولية القانونية متى ثبتت العلاقة السببية بين الفعل والنتيجة.

وتبقى مسألة الإسناد من أعقد الإشكاليات في الفضاء السيبراني. غير أن صعوبة الإثبات لا تعني غياب الإطار القانوني، إذ يخضع هذا المجال لمبادئ عامة راسخة، أبرزها احترام السيادة، وحظر التدخل، وحظر استخدام القوة. وقد أكدت الاجتهادات الفقهية الحديثة أن الفضاء السيبراني بات امتدادًا طبيعيًا للمجال الذي تنطبق عليه قواعد النظام الدولي، لا منطقة خارجة عنه.

وبذلك، فإن شرعية الهجمات السيبرانية تُقاس بمدى توافقها مع قواعد القانون الدولي العام، لا بتطورها التقني أو دقتها العملياتية. وأي دولة تتعرض لعملية سيبرانية تُضعف قدرتها على الدفاع أو تُربك منظومة قيادتها، تملك أساسًا قانونيًا للاحتجاج، وربما للرد، متى توافرت شروط الضرورة والتناسب. وتكشف الحالة الفنزويلية، في هذا الإطار التحليلي، أن الفضاء السيبراني أصبح ميدانًا حقيقيًا لاختبار حدود السيادة، حيث تُدار النزاعات المعاصرة بأدوات غير مرئية، ويُقاس احترام القانون الدولي بقدرة الدول على ضبط هذه الأدوات ضمن أطر مشروعة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/05 الساعة 10:35