العشي يكتب: هام لكل مواطن.. ما لم تلاحظه عن الماء قبل أن يغيب عن بيتك

الدكتور محمد العشي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/04 الساعة 10:59
قبل أن يغيب عنك الماء… دعونا نتوقف لحظة لنقدّر ما نملك

اعتدنا أن نُحصي ما ينقصنا أكثر مما نُحصي ما نملكه. نشكو من ضيق الرزق، من ضغط الحياة، من تعب الأيام، من العمل أو قلّته، من الأبناء ومتطلباتهم، ومن الظروف والاقتصاد وكل ما يثقل كاهل الإنسان. ومع كثرة الشكوى، غابت عن أعيننا نعمٌ تحيط بنا ليلًا ونهارًا، نستخدمها دون أن نتوقف لحظة شكر أو تأمّل، كأنها حقٌّ مكتسب لا يمكن أن يُسحب.

إحدى هذه النعم، وربما أبسطها في نظر الكثيرين، وأعظمها في حقيقتها، هي الماء. ذلك الذي نفتح الصنبور فنراه يتدفق بلا تفكير، نستخدمه بلا حساب، ونهدره بلا شعور، حتى نظن خطأً أنه أرخص الموجود، غير مدركين أنه قد يكون أغلى المفقود.

خلال الأيام الماضية، وحين توقّف ضخ المياه لعدة أيام عن عشرات المناطق في عمان والزرقاء بسبب أعمال الصيانة الوقائية المبرمجة لمشروع جر مياه الديسي، تغيّر الإحساس فجأة. لم يكن الأمر أزمة سياسية ولا خلافًا إداريًا، بل إجراء ضروري لحماية المنظومة المائية وضمان استدامتها مع اقتراب مواسم الاستهلاك العالي. ومع ذلك، شعر كثيرون ولأول مرة بثقل غياب هذه النعمة.

في تلك اللحظات، لم يعد الماء تفصيلاً عابرًا، بل صار محور اليوم كله. كيف نغسل؟ كيف نطبخ؟ كيف نؤدي أبسط شؤوننا؟ هنا فقط، بدأ البعض يدرك أن ما كان ينساب بسهولة، كان نعمة عظيمة لا تُقدّر بثمن. أدركنا أن الاعتياد قد يُفقد النعمة قيمتها، وأن الحرمان ولو المؤقت كفيل بإعادة ترتيب وعينا.

الماء ليس مجرد خدمة، ولا رقمًا في فاتورة، ولا موردًا نستهلكه بلا حساب. هو سرّ الحياة، وأساس الطمأنينة اليومية، وركن من أركان الاستقرار في أي بيت. وحين يغيب، ولو لأيام قليلة، تتبدّى هشاشة الإنسان أمام أبسط احتياجاته، ويكتشف أن كثيرًا من تذمّره السابق كان ترفًا غافلًا عن نعمٍ أكبر.

ولعلّ في هذا المشهد تذكيرًا عميقًا بما أرشدنا إليه الدين الحنيف منذ قرون، حين قال النبي ﷺ:

«لا تُسرف في الماء ولو كنت على نهرٍ جارٍ». صدق رسول الله الكريم

وليس هذا فحسب، بل يؤكد الله عز وجل في محكم التنزيل: بعد بسم الله الرحمن الرحيم

«وجعلنا من الماء كل شيء حي» (الأنبياء: 30). صدق الله العظيم

فالماء أساس الحياة لجميع المخلوقات، وهو نعمة عظيمة، ووسيلة للتأمل في قدرة الخالق سبحانه وتعالى، ودعوة لإدراك قيمة ما بين أيدينا، وعدم التهاون أو الاستهانة بها.

ما حدث لم يكن عقوبة، بل رسالة. رسالة تقول إن النعم لا تُقاس بوفرتها، بل بقيمتها. وإن الشكر الحقيقي لا يكون بالكلام فقط، بل بالسلوك. وأن المحافظة على الماء، وترشيد استخدامه، وعدم الإسراف فيه، ليست شعارات، بل مسؤولية أخلاقية ودينية وإنسانية.

ربما لم نشعر بنعمة الماء حقًا إلا حين غاب. وربما كانت هذه التجربة القصيرة كفيلة بأن تعيد إلينا شيئًا من الوعي المفقود. فالحياة لا تُقاس بكثرة ما نطلب، بل بقدرتنا على شكر ما نملك. وحين نتعلم أن نحافظ على أبسط النعم، نكون قد خطونا خطوة صادقة نحو حياة أكثر رضا، وأقل شكوى، وأكثر قربًا من معنى الامتنان الحقيقي.

وختامًا، لا يفوتنا توجيه شكرنا لوزارة المياه والري على جهودها المبذولة في الحفاظ على المنظومة المائية وضمان استمرار تدفق المياه بكفاءة، حتى في ظل التحديات وأعمال الصيانة الوقائية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/04 الساعة 10:59