غادة عقل تكتب: 'الأيام دُوَل' حين يدور الزمان وتُقلب الموازين

مدار الساعة ـ نشر في 2025/06/22 الساعة 15:32
مدار الساعة - كتبت: غادة عقل: في زمنٍ تتبدل فيه المعايير، وتتعالى فيه أصوات الضحية والجلاد معًا، يبقى للتاريخ كلمته، وللأيام دورتها العادلة، مهما طال ليل الظالمين. لقد علمنا الكبار وأكدت لنا السنون أن الظلم لا يدوم، وأن الحقّ قد يمرض لكنه لا يموت. واليوم، بينما نشهد ما يحدث من انكشاف الحقائق وتقلب المواقف، نُدرك يقينًا أن المثل الشعبي القائل: "الأيام دُوَل" لم يكن مجرد حكمة دارجة، بل هو تجلٍّ صادق لعدالة السماء.
"الظلم حين يرتدي قناع العدالة"
في الأمس القريب، كان ذاك الكيان المحتلّ يُمعن في القتل، ويُمعن أكثر في تزوير الرواية. يقصف بلا هوادة، يفتك دون تمييز، ويغلف جرائمه بمبررات لا تمتّ للواقع بصلة. مبررات مسمومة بروح النازية، مدفوعة بنزعة قمعية تنأى عن كل معاني الرحمة والإنسانية. لقد نزع عن نفسه ثوب الآدمية، وتخلّى عن الفطرة التي غُرست في روح الإنسان منذ خُلق.
اتخذ من الدماء مادة للإعلام، ومن القتل مشهدًا استعراضيًا، وأباح لنفسه كل ما حرّمه على غيره. فلم يبقَ له من الإنسان إلا اسمه، ولا من الدولة إلا هيكلها الحديدي المشبع بالعنف والكراهية.
"حين يُجنى الحصاد"
واليوم، وقد دار الزمان دورته، نراهم يذوقون شيئًا مما أذاقوه، ويصرخون احتجاجًا على ما كانوا بالأمس يفاخرون بفعله. يشجبون، يستنكرون، ويتباكون... وكأنهم لم يملأوا الأرض نارًا وخرابًا. وإنك لتسأل: هل حرّك هذا فيهم ذرةً من ضمير؟ هل لامست المأساة وجدانهم كما لامست وجدان من عانوا على أيديهم؟
كلا، وألف كلا. قد تئنّ الحجارة وتتصدع الجبال، أما قلوبهم فصخرٌ صمّ، لا يلين ولا يستشعر الندم. ما عرفوا الرحمة يومًا، ولا أشفقوا على طفلٍ أو امرأة، بل جعلوا من جثث الأبرياء سلّمًا لجبروتهم.
"العدالة لا تغيب"
اليوم، حين أراهم يهرعون إلى الملاجئ كالفئران، باحثين عن جحرٍ يُخفيهم، أتذكر كل مشهدٍ غاب فيه المأوى عن طفلٍ تحت القصف، وكل امرأة دفنت أبناءها بيديها. اليوم، حين يرتجفون رعبًا، أتذكر كيف كنا نرتجف ألمًا. وحين يُشيّعون قتلاهم، نستحضر آلاف الشهداء الذين سقطوا برصاصهم دون ذنب.
أجزم، أنه لا إنسان حقيقي على وجه الأرض يستطيع أن يتعاطف معهم بعد كل ما صنعته أيديهم. فهذه ليست نكبةً لحقت بهم فجأة، بل نتيجة حتمية لمسار طويل من البطش والتنكيل، حصدوا فيه أرواحًا بريئة، وزرعوا في الأرض بذور الكراهية.
"من يزرع الشوك لا يجني الورد"
نعم، الأيام دُوَل. وهذا الذي نراه اليوم ليس سوى صفحة من صفحات العدالة الإلهية تتفتح في وقتها، لتعيد التوازن إلى ميزان الظلم والعدل. فالتاريخ لا ينسى، والضمير الإنساني، مهما تأخر، لا يغفل. والذين اعتادوا البطش دون مساءلة، ها هم يذوقون من الكأس نفسها، ولو جرعةً واحدة.
ولتظل تلك الحقيقة، المرفوعة فوق ركام الحروب والدماء:
"من يزرع الشوك، لا يجني الورد".
    مدار الساعة ـ نشر في 2025/06/22 الساعة 15:32