لو يعتذر بلفور

الكاتب : فارس الحباشنة

الرئيس الفلسطيني محمود عباس طلب قبل شهور من رئيسة وزراء بريطانيا السابقة تيريزا ماي الاعتذار عن وعد بلفور المشؤوم. ولا أعرف ما الذي كان يجول في فكر عباس مهندس السلام وعراب اوسلو، فهل كان يتوقع أن تعتذر بريطانيا عن وعد بلفور، وتقول للفلسطينيين والعرب إني آسفة، وقد كانت غلطة، واقبلوا اعتذاري؟

ولماذا يعتذر البريطانيون تحسبا لوحدة الصف والموقف العربي، وللوحدة الفلسطينية، ام إذعانا لضغوطات اللوبيات العربية والاسلامية في لندن؟ أم مراجعة تاريخية لقرار بعدما أصاب العالم اختلال بالتوازن واستعاد العرب دورهم التاريخي والحضاري؟ ولمن يعتذرون الى شعوب عربية تتناحر وتتقاتل على الهوية الطائفية والاثنية والدينية والمناطقية.

نقدر أن نطلب من بريطانيا اعتذارا لو أن العرب لا يحجون الى لندن في كل خريف وربيع. ولو أن لندن ليست مربط فرس بعض العرب. ولو أن لندن ليست بيت مال لكثير من العرب والمسلمين. ولو ان لندن ليست المكان الدافئ والحاضن لمليارات العرب المنهوبة، وليست حاضنة لقصور ويخوت فارهة لبعض من الساسة ورجال الاعمال العرب.

في الغرب يظهر بين حين واخر مثقفون وفنانون وسياسيون متقاعدون لربما يصابون في شعور « عقدة عذاب الضمير» ، ولديهم فائض من مشاعر العطف والترحم على الشعوب الضعيفة والهامشية والطرفية والفقيرة ، ويقومون بلبس قناع الانسانية ليقولوا كلمة عطف على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المتهالكة والممزقة والجائعة والمنحورة.

وما يشبه قيام رجل قوي ومتقدر وبالغ المقام بزيارة دار المسنيين ورياض الاطفال والايتام والمشردين . وتقديم نظرة انسانية وحنونة وعاطفية، وتوزيع لعب أطفال وهدايا وحرامات ومناشف ومواد غذائية، وغيرها من الهدايا الانسانية.

بعض فلسطينيي الخارج والشتات أكثر ما يبدعوا في نحر القضية الفلسطينية. هناك استسهال غير مسبوق بالحديث عن السلام والتطبيع مع اسرائيل، واستسهال في التعاطي مع صفقة القرن على بشاعة ووساخة مفرداتها السياسية الوطنية، وتصفيتها للقضية الفلسطينية على حساب الحقوق الوطنية الثابتة، ومحو الهوية النضالية الوطنية الفلسطينية.

تسمع خطابا سياسيا عربيا يتعاطف مع اسرائيل. ويهاجم وينحر اعداء اسرائيل ومقاوميها. وليسخروا افكارهم لتكن اسرائيل محجا لدعاة السلام والتطبيع، ولتكون عنوانا جغرافيا للتوافق والقبول والاستسلام العربي بعيدا عن صراع تاريخي وحضاري على وطن مسروق ومسلوب.

كومبارسات السياسة صاروا يندلقون نحو اسرائيل، و يتفاخرون في المشاركة في انشطة التطبيع، ويتباهون في زيارة تل أبيب. الواقع مرير وقاسٍ.

و الخوف ليست بالمؤامرة على التصفية النهائية لفلسطين قضية ووطنا وشعبا، إنما من باع فلسطين فقد يبيع غيرها من الاوطان. خوف على الاوطان العربية، وحتى لا نرى مزيدا من النكبات تلاحق شعوب العرب، واوطانا تمزق وتقسم ويشرد أهلها، وهويات وطنية تمحى عن الخرائط السياسية،و شعوبا تموت من القهر والظلم والجوع.

النكبة ليست ضياع فلسطين فحسب. ولكن ما يرتكب من جرائم بشعة يوميا بحق الشعوب العربية. وقبل البحث عن اعتذار بريطاني فمن الاجدر أن يكون الاعتذار أولا من أنفسنا، وحتى نتطهر من الخطيئة، ونحاسب انفسنا لأننا كلنا شركاء في الجريمة. ولنتذكر أن التاريخ لا يرحم، ولا يعرف الانحياز، وكما ان التاريخ لم يكتب بعد!.(الدستور)


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية