في رحيل طبيب الفقراء

الكاتب : فارس الحباشنة

من لم يمت بمحبة الناس كـ»الدكتور رضوان السعد» فانه لم يعش. طبيب الفقراء، اربعون عاما قضاها في علاج الفقراء. كشفيته بدأت من ربع دينار، وتحت أكثر من ضغط اقتصادي مستفز ارتفعت الى دينار ومن ثم دينارين.
في المشهد الاردني اختفى طبيب الفقراء من أعوام. لم تعد مهنة الطب في ذلك الصفاء والجد الانساني. اختفى الطبيب المعالج الذي لا يرى المريض كشفية وفاتورة علاج، ودنانير مصفوفة يسارع في رصفها ادارج خزنته.
الطبيب الأردني كان مناضلا ملتزما حاملا للقضية العامة ومدافعا عن العدالة الاجتماعية وقيمها ومعاييرها في المجتمع. كان راسما لخطوط العمل العام، ودور الطبيب المستنير، حامل الرسالة الاجتماعية والانسانية، طبيب الهم العام.
الدكتور الراحل السعد لم أعرفه بحياتي. وكم تفاجأت وثار استغرابي عندما سمعت عن طبيب مازال محافظا على رسالة المهنة الانسانية والاجتماعية والوطنية.
وبعدما استحفل مرض الدينار والدولار في كل المهن. ومن فوقها اختراقات جردت أي مهنة من اخلاقها الموضوعية، وما أفرغها من قيمها، وجردها لتكون عيادة الطبيب كسوبر ماركت والبقالة ادفع واطلع.
القرن الماضي كان يعج باطباء المناضل كـ»رضوان السعد». البعض هرب من تحول الى طبيب بزنس، والبعض تحولوا الى حتيان تبتلع الاخضر واليابس وتجار علاج وسياسة وكراسي ومناصب ، والبعض لم تؤثر به كل المغريات، ولا لومة لائم الا بالحق، وهم قلة قليلة ولربما آخرهم الدكتور السعد.
الراحل السعد كما عج التواصل الاجتماعي عاش نظيفا وجريئا ومخلصا لطبقته الاجتماعية، ومنتميا لقضيته المركزية الام فلسطين والامة العربية. لم تطفُ به المنافع لينقلب على عقيدته وفكره الاجتماعي والسياسي الحر، ولم تغريه تحولات السياسة عندما جلبت شطار الخطابة والفهلوة ليكون انتهازيا.
في عيادته الصغيرة في مخيم اربد عالج الاف المرضى الفقراء. حياته كانت عادية، وهو صاحب علم وفير وموسوعي. قليلون ونادرون من يمسكون على محبة الناس وتقديرهم واحتراهم، ومن يخلدون في الذاكرة.
فعل ما لا يمكن ان تفعله حكومة ووزارة صحة ومنظمة لاجئين ومنظمة الصحة الدولية واليونسيف واطباء بلا حدود. فعل ما هو مؤمن به إيمانا انسانيا بحتا.
اختار الفقراء قربانا الى الوطن والسماء. ابتعد عن كل من يندلقون وراء الارتزاق السياسي، واعرف ان كثيرين من زملاء الراحل في مهن الطب اصيبت عذريتهم بخدش عندما سمعوا الخبر والضجة الشعبية العفوية.
في التاريخ العام هولاء من يخلدون، وتاريخنا كم ينقصه من امثال الراحل السعد. في الصورة لم يعد كثيرون الا مجرد عباد اصنام ومال وكراسي. فصورة العد ستبقى خالدة في مصافي المناضلين ممن استحقوا العيش والموت بكرامة وعزة وحب الناس.
الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية