الشَرَفات يكتب: هل سيتم إنشاء «محكمة إقليمية» في الأردن لمحاكمة المقاتلين الإرهابيين الأجانب؟

*كتب الدكتور سعود الشَرَفات
أسفرت الهزائم المتوالية لتنظيم داعش في العراق و سوريا عن بروز إشكالية ما يسمى “المقاتلين الارهابيين الأجانب” التي أصبحت من أهم اتجاهات الإرهاب العالمي المعاصر اليوم .

وزاد من هذه الإشكالية وجود ( 10000) معتقل من مختلف الجماعات الإرهابية في سوريا منهم 2000 مقاتل من تنظيم داعش معتقل حالياً لدى “قوات سوريا الديمقراطية” المتحالفة مع القوات الأمريكية ، (1200) منهم من جنسيات مختلفة من أكثر من 52 دولة في العالم ،و(800 ) منهم من الدول الأوروبية خاصة فرنسا وألمانيا وبلجيكا.

ولحل هذه الإشكالية قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ العام الماضي بدعوة الدول التي لديها مواطنين معتقلين بضرورة إعادتهم ومحاكتهم في بلادهم. لكن لم يتم الاستجابة لدعوته إلا من عدد قليل من الدول وعلى راسها روسيا. وهو ما دفع الرئيس الأمريكي (في حديثة للصحفيين في البيت الأبيض بتاريخ الأربعاء 21-آب / أغسطس2019م) الى تهديده الصريح بأن إدارته ستقوم بإطلاق سراح آلاف “المقاتلين الارهابيين الأجانب” من تنظيم داعش المحتجزين في سوريا إذا لم تقم الدول التي قدموا منها وعددها باستعادة مواطنيها.

وطيلة الفترة الماضية كانت “قوات سوريا الديمقراطية” تصر على ضرورة إعادة المعتقلين الى بلادهم ومحاكمتهم فيها . لكنهم عادوا يتحدثون حاليا عن إمكانية محاكمة المعتقلين داخل مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية للأكراد في شمال وشرق سوريا” ، الأمر الذي رفضته الدول الأوروبية المعنية خاصة بريطانيا وفرنسا ،وبلجيكا، دون أن تعطي بدائل مقنعة لحل هذه الإشكالية .

سيناريوهات الحل

إزاء هذه الإشكالية بدأت تتسرب للإعلام الكثير من الأفكار والسيناريوهات ، ومن خلال متابعتها يبدو لنا أن الأوروبيين يتخوفون من عدم قدرة أنظمتهم القضائية على توفير الدلة القانونية الدامغة لمحاكمة معتقليها في المحاكم الأوروبية ،ولأنه ليس هناك عقوبات بالإعدام فأن المعتقلين الذين يثبت عليهم العضوية في داعش أو الدعم المادي يعاقب من 4-5 سنوات في السجن.ولذلك يلاحظ بأنهم يراهنون على تكتيك “ شراء الوقت ” والمراهنة – ربما – على عدم عودة هؤلاء المقاتلين وقتلهم في ساحات القتال في سوريا والعراق.

وضمن هذه الأجواء ؛ هناك نقاشات مكثفة داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية حل هذه الإشكالية وبحث كافة الأفكار والخيارات والسيناريوهات لعملية المحاكمة. حيث بدأت تطفو الى السطح سيناريوهات محاكمات نورمبيرغ لجرائم النازية التي أنشئت 1945م بعد الحرب العالمية الثانية ، وجرائم الإبادة الجماعية 8 تشرين أول /نوفمبر 1994م في رواندا، ويوغسلافيا السابقة 25ايار/مايو 1993م . ومن جملة هذه النقاشات التي تسربت الى وسائل الإعلام يمكن لنا أن نرصد أربعة سيناريوهات وهي :

السيناريو الأول: إنشاء محكمة إقليمية في العاصمة الأردنية عمان !

أشارت بعض المصادر المطلعة على المباحثات والنقاشات الأوروبية(نقلاً عن صحيفة هآرتس بالإنجليزية 9ايلول-سيبتمبر2019م ) بأن بعض المسؤولين في “الاتحاد الأوروبي ” بدون تحديد من هم هؤلاء المسؤولون ؛ اقترحوا فكرة إنشاء محكمة إقليمية (Regional Court) في منطقة الشرق الأوسط ،وتم اقتراح العاصمة الأردنية عمان لتكون مقر المحكمة .

ويلاحظ بأنه لم يصدر- حتى الآن- أي ردٍ أو تعليق من الحكومة الأردنية حول هذه الفكرة ومدى جديتها.

الحجة التي يطرحها الأوروبيون حول السيناريو الأردني تستند على مقولة ” أن إقامة المحكمة في الاردن في دولة ذات أغلبية سُنية يمكن أن يؤمن محاكمة عادلة وعلانية ،بعكس العراق الذي تتميز سياسته الحالية بتغليظ العقوبات والعقاب الجماعي على حساب تحقيق العدالة بحجة أن الأحكام ضد المعتقلين من داعش مدفوعة بعقلية الانتقام التي تشبه عقلية محاكمات النازية في نورمبيرغ،ثم الادعاء بأن الأردن يمكن أن يساهم في طرح سردية معارضة وقوية لدعاية لتنظيم داعش الإرهابي .

وارى بأنه رغم المسوغات التي تبدو معقولة بعض الشيء إلا أنها خطيرة جداً ،ولا أشجع على هذه الفكرة ؛ولا أظن بأن الأردن حكومة وشعباً سيؤيد إقامتها في عمان. خاصة وأن السبب وراء طرحها يبدو جلياً للمتابعين وهو أن الأوربيون يريدون حل مشكلة رهابييهم بعيداً عن المدن الأوروبية وعن متابعة وسائل الإعلام وجماعات حقوق الإنسان والتجاذبات السياسية الداخلية .

السيناريو الثاني: إجراء المحاكمات لدى الأكراد ضمن منطقة الإدارة الذاتية.

الحجة القانونية التي يستند عليها الأكراد أن الجرائم التي ارتكبها أعضاء داعش حدثت داخل مناطقهم تحديداً .لكن هذا السيناريو رُفض من قبل فرنسا وبريطانيا وبلجيكا لسباب غامضة ؟ كذلك لن ترضى عنه تركيا و سوريا لأنه سيرسخ مفهوم السيادة الكردية على حساب المنافسين تركيا وسوريا.

السيناريو الثاني : التهريب أو النقل السري الى العراق.

وهنا يتم نقل المعتقلين بالتنسيق ما بين كافة الأطراف المعنية بالمعتقلين بشكل سري الى العراق ومحاكتهم داخل العراق وأمام المحاكم العراقية ، ولقد تم استخدام هذا الأسلوب بالفعل حيث تم تهريب عدد من اللبنانيين والأستراليين ومن قطاع عزة والفرنسين ، لكنه أثار ردود فعل سلبية واسعة عالميا خاصة من جماعات حقوق الأنسان والمحامين الذين يتولون الدفاع عن المعتقلين. ومثال ذلك الفرنسيين الأحد عشر الذين تم محاكتهم بالإعدام في العراق، في أيار و حزيران 2019م رغم أن فرنسا تعارض حكم الإعدام ورغم أن أحكام الإعدام معارضة للقانون الدولي إلا أن الحكومة الفرنسية لم تتدخل بحجة عدم التدخل في سيادة العراق . ولذلك هدد بعض المحامين الذين يتولون قضايا الدفاع عن بعض المتهمين في فرنسا بنقل القضية الى المحكمة الأوروبية لحقوق الأنسان.

وكانت الدول الأوروبية قد اقترحت عرض الأمر على الأمم المتحدة ومجلس الأمن من خلال آلية “المحكمة الجنائية الدولية “لمحاكمة الضالعين في جرائم الحرب في سوريا إلا أن مشروع القرار تم تعطيله من قبل روسيا والصين في شهر أيار 2014م ،علما بأن روسيا والصين وأمريكا سوريا والعراق ليست أعضاء في اتفاقية قانون المحكمة التي تأسست سنة 2002م كأول محكمة قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الاعتداء. حيث تعمل هذه المحكمة على إتمام عمل الأجهزة القضائية الموجودة، فهي لا تستطيع أن تقوم بدورها القضائي ما لم تبد المحاكم الوطنية رغبتها أو كانت غير قادرة على التحقيق أو الادعاء ضد تلك القضايا.

السيناريو الرابع: تشكيل محكمة هجينة(Hybrid Court )

يعتقد بعض الخبراء والمسؤولين الأوربيين بأن هذا السيناريو هو الأكثر احتمالا للنجاح وتقوم الفكرة على تشكيل محكمة مشتركة بين الجهاز القضائي العراقي والخبرات الدولية والأوروبية بحيث يعمل هؤلاء كبيوت خبرة ومستشارين للقضاء العراقي لضمان تحقيق محاكمات عادلة ونزيه ،واستبعاد أحكام العقاب الجماعي والإعدام التي تسربت لوسائل الإعلام العالمية وأثارت ردود فعل سلبية واسعة.

في النهاية يبدو من خلال متابعتنا الحثيثة لهذه الإشكالية أن معظم الدول المعنية بالأمر خاصة الدول الأوروبية وعلى راسها فرنسا وبريطانيا وبلجيكا لا تملك أية آليات واضحة للحل وتحاول بالفعل شراء الوقت والتهرب من مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية والأمنية ،وبدلاُ من ذلك تحاول بكافة السبل نقل المشكلة الى خارج أوروبا. ولعله من هنا يمكن فهم الفكرة الأوروبية المستهجنة التي تم طرحها بإقامة المحكمة الإقليمية في الأردن وهي فكرة كما أسلفت غير مناسبة إطلاقاً للأردن ولا أظن بأنه سيوافق عليها مهما كانت الذرائع والمسوغات.

الدكتور سعود الشَرَفات

*مدير مركز شُرفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب

عمان-الأردن [email protected]


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية