معلم

الكاتب : فارس الحباشنة

بمناسبة بدء العام الدراسي، وأكثر ما أتذكر معلمين اجلاء علموني دروسا في العلم والمعرفة والحياة. معلمون اجلاء لم يكونوا حملة عصاة وكرباج مربين ووعاظا وفقهاء ومثقفين وساسة.
لا أذكر أن معلما قد ضربني بعصاة وغيرها، ولا اذكر أني سمعت معلما شتمني او صرخ بصوت عال. اتذكر كم كانت المدرسة جميلة وعامرة بالعلم والمعرفة والحياة والأمل! وكنت طالبا لحد ما مشاغبا بالعلم والمعرفة وكثير السؤال.
كنت جادا في البحث والدراسة من وراء المنهاج الدراسي المقرر. في الصف العاشر قرأت رأسمال لـ»لكارل ماركس «، افكار افهمها وأخرى لا، ولكني شغوف بالقراءة، وقرات ايضا معالم على الطريق لسيد قطب، وأكملت قبل التوجيهي قراءة ادبيات الاسلام السياسي من حسن البناء وسيد قطب الى محمد قطب ويوسف القرضاوي.
في ادبيات اليسار العربي قرأت « النزعة المادية في الفلسفة العربية الاسلامية» للمفكر اللبناني حسين مرورة، والوعي والوعي الزائف في الفكر العربي للمفكر المصري محمود امين العالم، وكتبا أخرى في الادب والنقد والفلسفة.
المعلم يدخل الى حصة الصف محملا بالكتب والواجبات والاوراق، صور وقارها ما زال ملتصقا بذاكرتي . في العلوم والرياضيات أتذكر أن الاستاذين مروان كرادشة وعدنان الحباشنة، بأعجوبة المدرس الوقور والذكي والملتزم بسط للطلاب تعلم الرياضيات بمعادلاتها الجافة والمجردة، والفيزياء والكيمياء بارقامها وشفيراتها المطلسمة والمركبة. فكم أن المادتين كانتا يسيرتين على التعلم، ولا أذكر أن طالبا قد تلقى دروسا خصوصية وتعليما جانبيا.
معادلة التعليم متواضعة و بسيطة. ولا تحتاج الى تنظير معقد، وكلام كبير. ولا اساليب تدريس مستنسخة عن تجارب لبلدان لا تشبهنا ولا نشبهها. ولا مناهج مترجمة من الف الى الياء عن مناهج دراسية لدول أخرى من ديار العجم.
المعلم هو روح العملية التعليمية، ولو أنك تجلب كل الوسائل والاساليب المتطورة وتكنولوجيا التعليم ونظريات التربية والتعليم من هارفرد واكسفورد وساربون وشيكاغو فلا تجدي نفعا إذا ما كان المعلم على دراية و سوية.
المعلم بالاول والاخير، ولو ان المدرسة مدمرة ومتهالكة وسقوفها ساقطة والكهرباء والماء مقطوعان عنها ، والكتب الدراسية ممزقة، ولم تصل بعد الى الطلاب، والطبشور بلا الالوان، فذلك ليس هاما بقدر أن روح المعلم وجاهزيته المعنوية والنفسية والمعيشية الاقتصادية.
أذكر أنه في عام 94 في موجة أتمت التعليم التي قادها الوزير السابق خالد طوقان ركبت الوزارة في مدرسة راكين الثانوية مختبرا للحاسوب يضم 20 جهاز حاسوب، وآنذاك كنا لا نعرف ما هو الحاسوب نسمع به بالاخبار، وبعدما ركبت الاجهزة، وجاءت الخطوة التالية لتشغيلها تفاجؤوا بان المختبر بلا كهرباء.
من فصول العجائب والغرائب في السياسة التعليمية في الاردن، الانترنت دخل الى المدارس بعد عشر سنوات من تركيب اجهزة الحاسوب. والاخيرة صابها عطب وعشعش الغبار والاتربة بين اجزائها وتحولت الى وكر للحشرات والقرضان والديدان، ومصيرها كان رميها في قلاب الزبالة، وحرقها على المزابل.
واذكر على مدى عامين دراسيين في الصفين التاسع والعاشر وزعوا كتاب الحاسوب، والاجهزة لا تعمل، والمادة الدراسية بلا معلمين، والحاسوب في مدرستنا جهاز اصم وأبكم، كنا نقرأ ونسمع عن عجائبية الحاسوب وقدرته وامكاناته العبقرية « الذكاء الاصطناعي « وما لم نتمكن في حياتنا الدراسية من اكتشافه والتعرف عليه.
واذكر انه في نهاية العام كل الطلاب نجحوا بمادة الحاسوب وبعلامة متشابهة، ولا اعرف كيف جرى التقييم ووضع العلامة. وحتى الان أكره الحاسوب . مهما تكلمنا عن ازمة التعليم عن الاصلاح والخطط والتطوير إن لم يهتدوا الى تحسين ظروف المعلم المادية والمعنوية فان الاصلاح سيكون اعرجا وأقولها وأتمنى لو أني كنت معلمًا!

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية