فايز الطراونة يكشف اللحظات الأخيرة من تغيير ولاية العهد في الأردن: الحسين اشعل سيجارته ورفع مغلفاً

مدار الساعة - خليل حماد - كشف الدكتور فايز الطراونة، رئيس الوزراء الأردني الأسبق ورئيس الديوان الملكي السابق، عن تفاصيل اللحظات الاخيرة في تغيير ولاية العهد في الاردن.

الطراونة في كتابه "في خدمة العهدَين"، الصادر حديثاً عن "الآن ناشرون وموزعون"، والذي يتناول مسيرة الرجل الذي تسلم الكثير من المناصب الرسمية على مدار نصف قرن، وساهم في عدد من المحطات المهمة في تاريخ الأردن المعاصر، يقول عن تغيير ولاية العهد.

في يوم الاربعاء 20 كانون الثاني أجرت الاعلامية كريستان امانبور لقاء مع الملك الحسين بن طلال في "باب السلام" لصالح قناة سي ان ان تحدث فيها جلالته علناً عن عزمه تغيير ولاية العهد، الامر الذي كان يشغل تفكيره اثناء اقامته في "مايو كلينك" وربما قبل ذلك بزمن. وبعد اللقاء اتصل وطلب ان يكون اليوم التالي الخميس يوم اجازة للموظفين والطلبة احتفالاً بقدومه، فأعلنت ذلك فوراً وبطبيعة الحال بدأ الناس يستفسرون عن من سيخلف الامير الحسن في ولاية العهد.

وأضاف الطراونة في كتابه الذي رصدته مدار الساعة: وعند الساعة السابعة والنصف من صباح الجمعة 22 كانون الثاني دعاني الامير الحسن إلى بيته فوصلته عند الساعة الثامنة صباحا. بدأ سموه حديثه متعجباً: "سمعت ما قاله سيدنا قبل يومين عن تغيير ولاية العهد ففوجئت بانه لم يذكر لي عن هذا الموضوع شيئاً حين قابلته في لندن، فماذا عليّ ان أفعل وقد أعلن سيدنا التغيير عبر الاعلام؟". فقلت: "لم يطلعني سيدنا على هذا التغيير ولم أقابله منذ قدومه، فما سمعته هو ما سمعته انت، ولكن عزمه الاكيد واضح وان لم يحدد من هو ولي العهد الجديد"، وأضفت: "يا سيدي لقد أكرمك الحسين بولاية العهد منذ عام 1965، وهو حق دستوري للملك يبدأ وجوباً بابنه البكر الذي كان وليا للعهد منذ ولادته ثم انتقلت الولاية إليك: لا أدري ما الذي يدور في ذهن سيدنا ولكني أرى أن تطلب مقابلة أخيك وتسلمه رسالة كريمة وتضع الامر تحت تصرفه".

ذهبت الى مكتبي وبقيت حتى السادسة مساء بانتظار ان يتصل جلالة الملك فقد فضلت ألا أبادر أنا بالاتصال خشية ازعاجه، ولكنني كنت على ثقة بأن الاتصال سيحدث لا محالة، لأن هنالك إجراءات دستورية في حال تغيير ولاية العهد تبدأ بالحكومة. وعند الساعة السابعة مساء طلبني (رحمه الله) لموافاته في باب السلام، عندما وصلت كان في حضرته سمو الامير هاشم بن الحسين فاستأذن سموه بالمغادرة وجلست انا إلى جوار جلالته وكان في حالة مستقرة وبصحة بدا لي انها جيدة.

تحدثت قائلا عن حالته فأعرب عن تفاؤله وهو يقول: "سأذهب إلى العقبة للنقاهة لمدة اسبوعين، وبعدها - باذن الله - ساقوم باداء العمرة وسترافقني، ثم عند العودة سنشمر عن سواعدنا وننهي ما لم ننجزه في غيابي، وإذا أردت تعديلاً وزارياً فأنا جاهز".

ثم اشعل سيجارته ورفع مغلفاً كان أمامه وسلمني إياه قائلاً: "كان عندي أخي الامير الحسن وغادر قبل قليل وسلمني رسالة كريمة، سأرد عليها برسالة كريمة. أريدك أن تقرأ رسالة الامير الحسن".

فتحت الرسالة وقرأتها فوجدتها قد صيغت بلغة تعبر عن محبة الحسن لأخيه الحسين وتفانيه في خدمته طوال العقود الثلاثة الماضية، وذكر سموه فيها أنه يصدع لأمر شقيقه ويضع نفسه تحت تصرف سيد البلاد.

بينما كنت أضع الرسالة جانباً عاجلني الملك بقوله: "خدمني وخدم البلاد طيلة هذه السنين، سيبقى أخي الحبيب"، ثم أردف قائلا بابتسامة: "هل تعرف من اخترت لولاية العهد؟ أنا لم ابلغ أحداً بالاسم بعد.. وقد طلبتك اليوم لنتباحث معاً بالاجراءات المطلوبة، لأنني أريد أن أنهي الموضوع غداً ظهراً". مدارالساعة

فقلت: "يا سيدي ما دمت تريد أن تنهي الموضوع غدا ظهراً، فمن الواضح أنك اخترت سمو الامير عبدالله وليا لعهدك كما ينص عليه الدستور، وان كان قرارك قد وقع على غيره فلا بد من تعديل دستوري، لان ولاية العهد بحسب الدستور للابن الاكبر سناً، وجلالتك لم تطلب مني اي تعديل دستوري".

ابتسم (رحمه الله) وقال: "هذا صحيح وعيني تراقبه منذ مدة طويلة، وأتوسم فيه الخير، وارى فيه القدرة على الاستمرار في حمل الامانة والرسالة بعزيمة وقوة".

واستوضح جلالته عن الاجراءات التي لا بد من السير بها، فسألته "هل أبلغت سمو الامير الحسن باسم خليفته؟ وهل أبلغت سمو الامير عبدالله بقرارك؟"، فكانت الاجابة "لا". فقلت "أرى ان تبلغ الاميرين بقرارك، سأحضّر الارادة الملكية بتعيين ولي العهد الجديد من رئاسة الوزراء موقعة من رئيس الوزراء ورئيس الديوان (لاحقا اصبحت الارادة تصدر مباشرة من الملك بعد تعديل المادة 40 من الدستور) سارفعها لكم متى اردتم لتوشيحها بالتوقيع الملكي السامي.

هذا هو الاجراء الدستوري الوحيد. ثم يسلم الامير الحسن علم ولاية العهد الى الامير عبدالله امامك، وأرى ايضا اطلاع رؤساء السلطات الدستورية الثلاث ومن شئت من رجالات الدولة المدنيين والعسكريين بهذا التغيير".
فقال : على بركة الله، وكن جاهزاً غداً ظهراً".

وجاء يوم السبت 23 كانون الثاني وحلت الساعة الثانية عشرة ظهرا، ثم الواحدة ثم الثانية، ولم يتصل بي أحد لتنفيذ ما أمرني به الملك.

كانت الارادة الملكية بتغيير ولاية العهد جاهزة بعد ان وقعنا عليها انا ووزير الداخلية نايف القاضي، ولكن لم تصلني اي اشارة لارسالها إلى الملك.

اصابني الفضول وشيء من القلق، وشعرت ان شيئا ما قد حدث وأدى الى تأخير هذا الحدث المفصلي.

اتصلت برئيس التشريفات الملكية أيمن المجالي فأبلغني أن جلالته في المدينة الطبية بعد اصابته بنوبة من الحرارة الشديدة فجر اليوم، وأنهم طلبوا فريقا طبيا من مايو كلينك سيصل مساء اليوم الى عمان. أسقط في يدي وشعرت ان المكتب يتهاوى على رأسي وكأني أسمع عن مرض الملك لأول مرة، فقد ودعت جلالته بالامس وكلي تفاؤل بعد ان شاهدته مستقر الحال يخطط لاداء العمرة لاستئناف العمل في بناء الوطن. تذكرت قول الطبيب لي قبل شهور ان هذا المرض خبيث، وانه يمكن ان يعود بأي وقت وبصورة أكثر شراسة.

اتصلت بمدير المخابرات الفريق سميح البطيخي فقال ان الامور لا تبشر بالخير داعيا الله ان يلهمنا الصبر.

تبين من خلال الفحوصات ان المرض قد عاد وبقوة، ودار حوار ونقاش داخل العائلة المالكة تقرر في نهايته ان يعود جلالة الملك الى مايو كلينك ليخضع لزراعة نخاع عظمي مع ان الامل في نجاح هذه العملية ضئيل جداً.

ورضخ الملك لالحاح العائلة ورتبت الامور لسفره يوم الثلاثاء 26 كانون الثاني. وفي الاثناء، استدعى جلالته الاميرين الحسن وعبدالله وتسلم الامير عبدالله علم ولاية العهد من الامير الحسن بعد ان صدرت الارادة الملكية بالتغيير.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية